
محمد المكي أحمد:
قبل أن يفر الرئيس السوري المخلوع، بشار الاسد، الى روسيا بالتزامن مع زحف المعارضة المسلحة نحو دمشق ، بقيادة أحمد الشرع ( الرئيس السوري حاليا) وانتصار الثورة السورية في 8 ديسمبر 2024، تلقى ( الرئيس بشار) في العام 2014 “نصيحة ” من الزعيم السياسي، والمفكر السوداني الراحل، الصادق المهدي.
الصادق هو آخر رئيس منتخب لحزب الأمة القومي، وآخر إمام منتخب للأنصار، وآخر رئيس وزراء سوداني منتخب حتى اليوم.
كان الصادق المهدي شخصية دولية وازنة ، اذ كان عضوا في نادي مدريد الذي يضم رؤساء حكومات سابقين منتخبين، كما كان رئيس المنتدى العالمي للوسطية، ولعب أدوارا ريادية في نشر قيم الاعتدال ومواجهة نهج التطرف والإستبداد ، بوعي وفكر، وهو المؤلف لأكثر من مئة كتاب.
أهمية نصيحة الصادق المهدي لبشار أنها جاءت في زمن المواجهة المحتدمة ين نظام بشار والثوار السوريين.
“النصيحة”جاءت في رسالة خطية إلى ( الرئيس بشار الأسد ) وكان المهدي آنذاك معارضا لنظام عمر البشير الذي أطاحه الشعب السوداني بثورة شعبية في 11 أبريل 2019 .
أطلعني المهدي على نص رسالته أثناء زيارته للعاصمة القطرية الدوحة، ونشرتها صحيفة” الحياة” اللندنية في 20 نوفمبر 2014 ، حينما كنت مراسلا للصحيفة الدولية في قطر، أي قبل 12 سنة.
نشر الرسالة أخرجها من دائرة السرية إلى مخاطبة الراي العام في دول المنطقة والعالم، في محاولة لتشكيل رأي عام دولي ضاغط على بشار، كي يوقف آلة القتل ويستجيب لنبض الشعب السوري.
الزعيم السوداني الراحل كان متفاعلا مع قضية الشعب السوري.
الرسالة إلى بشار كانت من أبرز عناوين تفاعله مع تطلعات الشعب السوري، وجاءت في توقيت صمت فيه عدد من القادة والسياسيين في دول عربية والعالم ، ولم تحرّكهم أو تهزهم المذابح التي كان يتعرض لها الشعب السوري .
الرسالة ” تضمنت “نصيحة” و “خريطة طريق” ودعوة إلى “وقف لاطلاق النار وحل شامل برعاية أميركية – روسية”.
اقترحت الرسالة أن “يعلن السوريون (المجتمعون) اعتماد فترة انتقالية مدتها عام، يتم أثناءها توطين النازحين واللاجئين وتفوض مراقبة وقف النار لجنة مشتركة وتشرف على إعادة التوطين”.
دعا في رسالته الى أن “يُشكل مجلس الأمن لجنة لتقصي الحقائق حول أحداث الأعوام الثلاثة ( الأولى للثورة الشعبية السورية ) وتحديد المطلوب للإنصاف باعتبارها مهمة دولية محايدة”.
اقترح “بعد نهاية العام أن يتم ترشيح رئيس توافقي مقبول للمعارضة ومهمته تطبيق برنامج للحكم متفق عليه وتكوين حكومة جامعة لتنفيذه”،
جاء في الرسالة أن على “هذه الحكومة ( الجامعة) أن تلتزم بميثاق مصالحة عامة يضعه الملتقى الجامع ويكتب دستور البلاد الجديد وتجرى انتخابات في ظله لا يستثنى من المشاركة فيها أحد”.
وفي حين رأى المهدي أن “هذا المشروع لا يحقق لأي طرف أهدافه كلها لكنه كفيل بإنهاء الحرب الأهلية وإنقاذ سورية وإعطاء أولوية لمواجهة الخوارج الجدد، حاضنة الغلو والقتل على الهوية”.
وقال المهدي “للرئيس الأسد” أنك “لن تستطيع أن تنتصر على معارضيك من أبناء شعبك بسلاح غيرك، وهم كذلك لن يستطيعوا الانتصار على حكومتك بسلاح غيرهم، والنتيجة اقتتال بإمكانات وافدة تمزق الشعب السوري وتدمر الوطن السوري وتعم الخسارة الجميع”.
ولفت المهدي في رسالته إلى ” حقائق” وهي:
أولاً، إن المشهد السياسي تحول من مواجهة بين نظام وثوار إلى اصطفاف طائفي.
ثانياً، الاصطفاف الطائفي شد إليه اصطفافاً إقليمياً ودولياً، والنتيجة لن يُسمح للسوريين بحسم ذاتي لخلافاته.
ثالثاً، مهما ارتكبت ( مهما ارتكب بشار ) من تجاوزات فاستمرار الاقتتال يعني مزيداً من سفك الدماء والدمار، فالحاجة الى العدالة الوقائية أكبر من مبررات العدالة الجزائية.
رابعاً، مجرد تغيير الحاكم ما لم يصحبه اتفاق على بديل ذي جدوى وصدقية يأتي بنتائج تصنع أشواقاً الى الماضي المباد.
خامساً، نعم، التسوية مع النظام الحاكم الآن في سورية في نظر الثوار ثورة مضادة، للديموقراطية، ولكن الحالة السورية أفرزت ثورة مضادة للإنسان وللعصر الحديث، «داعش» وأخواتها ردة للعصر الحجري وتفشي الإحباط يمدهم بمجندين.
سادساً، القاعدة الذهبية أن أي عمل مهما كانت صحته إذا أدى إلى عكس مقاصده ينبغي إبطاله.
سابعاً، لا يمكن لأشقاء سورية أن يحسموا الأمر إذا انحازوا الى أحد طرفي المواجهة ولا يمكنهم أن يقفوا متفرجين على هذه المأساة التي تأكل الأخضر واليابس”.
هذه هي تفاصيل رسالة المهدي لبشار..
هل اهتم بشار بالنصيحة؟
لم يهتم ( الرئيس بشار) بالنصيحة، وربما مزّق رسالة المهدي، وواصل القمع إلى أن تم اقتلاعه اقتلاعا بارداة الثوار السوريين ، الذين صنعوا حدثا تاريخيا أدهش عددا من قادة المنطقة والعالم ،إذ كان هناك من يظن و يتوهم أنه ليس في مقدور أي فصيل في المعارضة أن يسقط النظام الدموي، ويفتح أبواب حياة جديدة أمام السوريين، عنوانها الأهم الحرية والعدالة والعيش الكريم.
في ختام المشهد الذي تصدرته معارضة سورية دخلت دمشق بقيادة أحمد الشرع ( الرئيس الانتقالي الحالي) لم يكن هناك خيار أمام بشار وعدد من أركان نظامه سوى الفرار ، ورغم ذلك تطاردهم العدالة .
المشهد السوري قد يتكرر غدا أو في أي وقت ، في دول تسودها حروب، وفي صدارتها السودان ، حيث يئن المواطن من سفك الدماء والمرض والجوع والخوف والتشرد و أساليب القهر والقمع والقتل بدم بارد ، ويعاني بشدة من أساليب الاستهانة والانتهاكات البشعة لكرامة الانسان.
هل هناك في السودان، وفي مواقع الأزمات الكبرى، من يتعلم من الدرس السوري الحالي ؟.
الدرس السوري يؤكد كما أكدت حقائق التاريخ في السودان، أن الانتصار سيكون في نهاية المطاف للشعب، لخيار الحرية والعدالة والعيش الكريم.

