مقالاتالسودان

العفو العام والحق الخاص

تصريح الجاكومي هو موقف سياسي أم فصل جديد من مسرح العبث السوداني؟

 

صلاح أمبدة:

خرج علينا سيد أحمد الجاكومي، رئيس “تنسيقية القوى الوطنية و رئيس مسار الشمال” في السودان، بتصريح جديد من تلك التصريحات التي ما إن تقع عليها العين حتى تحتار .

هل نحن أمام موقف سياسي، أم أمام فصل جديد من مسرح العبث السوداني؟

يقول الجاكومي إن حكومة بورتسودان أصدرت عفوًا عامًا عن جميع السياسيين المدنيين، ثم، وكأنه شعر أن الجملة ينقصها شيء من «البهارات القانونية»، استدرك سريعًا بأن العفو العام لا يعني سقوط الحق الخاص.

 وهنا، يا سادة، يحق لنا أن نرفع حاجب الدهشة، وأن نسأل السؤال الذي يبدو أن الجاكومي نسي أن يسأله لنفسه. أي حق خاص هذا؟ ومن صاحبه؟ ومن أين جاء؟

فالبلاغات التي يلوّحون بها في وجوه المدنيين لم تهبط من السماء، ولم يكتبها ملاك على ألواح من ذهب، وإنما خرجت من منظومة السلطة التي أعقبت انقلاب أكتوبر 2021، وحركها المدعي العام التابع لسلطة الانقلاب ضد سياسيين ومدنيين كانوا قد حملوا تفويضًا سياسيًا وشعبيًا من رحم ثورة ديسمبر 2018 للمشاركة في قيادة الفترة الانتقالية.

فإذا كان الاتهام قد نشأ في حضن سلطة انقلابية، وكانت البلاغات جزءًا من صراع سياسي واضح، فمن أين نبت فجأة هذا “الحق الخاص”؟ هل هو حق خاص حقيقي؟ أم أنه من تلك الحقوق التي تظهر في السودان كما تظهر بعض الشركات “البروس” : شركات بلا مالك معروف، وبلا عنوان، وبلا سجل ولا أحد يعرف من أين جاءت وإلى أين تذهب؟

لكن المفارقة الأكبر أن الجاكومي نفسه يبدو أنه يمتلك نظرية خاصة في مسألة التفويض. فحين اعترض أبناء شمال السودان على ادعائه تمثيلهم، وسألوه ببساطة: من فوّضك؟ لم يذهب الرجل إلى صناديق الاقتراع، ولم يقدم قائمة ناخبين، ولم يستدعِ مؤتمرًا لأبناء الشمال. بل جاء بالحل السحري الذي يصلح، لو عمّمناه، لإلغاء الانتخابات من جذورها: لقد فوضت نفسي بنفسي.. ولا أحتاج إلى تفويض من أحد.

 يا لها من “ديمقراطية جاكوميه ” . ديمقراطية لا تحتاج إلى ناخبين، ولا أحزاب، ولا مؤتمرات، ولا جماهير.

يكفي أن تجلس مع نفسك، وتتفاهم معها، ثم تمنحها التفويض. وهكذا يصبح المرء، في لحظة صفاء ذهني، ممثلًا لقبيلة، أو منطقة، أو قطاع، أو إقليم، وربما قارة بأكملها إذا كان الطموح مرتفعًا. وما دام التفويض ذاتيًا، وافتراضيا فلماذا يتعب الناس أنفسهم بالانتخابات؟

لماذا لا يذهب كل واحد إلى المرآة صباحًا، ينظر إلى نفسه مليًا، ثم يقول: أفوّضك بتمثيلي؟ وهكذا تنتهي مشكلة الديمقراطية إلى الأبد.

الجاكومي ليس غريبًا على هذه الرحلات السياسية المدهشة. فقد فرض نفسه على المشهد باعتباره ممثلًا لـمسار الشمال؛ بينما كان أبناء الشمال أنفسهم يقولون إنهم لم يفوضوه ليتحدث باسمهم.

لكن يبدو أن الجاكومي لا يرى في هذه المسألة مشكلة كبيرة. فما دام قد فوض نفسه بنفسه، فإن اعتراض الآخرين يصبح مجرد تفصيل صغير لا يستحق تعطيل المشروع. ثم جاءت رحلة إريتريا.

ذهب الجاكومي، وخرج بتصريح كبير عن إنشاء معسكر لأبناء شمال السودان لمساندة الجيش السوداني. كانت الفكرة، في ظاهرها، مشروعًا عسكريًا وسياسيًا ضخمًا. لكن حين عاد الرجل إلى السودان، كانت المفاجأة أن المعسكر ظل في مكان ما بين التصريح والواقع.

أما أبناء الشمال الذين كان يفترض أن يملأوا المعسكر، فلم يأتوا. فلا معسكر، ولا صفوف طويلة من المتطوعين، ولا ذلك الحشد الذي كان يمكن أن يجعل التصريح حقيقة تمشي على قدمين.

 لقد عاد الجاكومي، بخفي حنين وبقي المعسكر حبيس التصريحات. ومنذ ذلك الحين أصبحت بعض تصريحاته أشبه بـمشروعات تبدأ في المؤتمرات الصحفية وتنتهي في خانة النكات السياسية.

واليوم يعود الرجل ليحدثنا عن العفو والحقوق الخاصة، وكأن السودان قد استيقظ فجأة على دولة مستقرة، وقضاء مستقل، وخصومات قانونية عادية، وليس على واقع سياسي تشكلت فيه كثير من هذه الملفات في ظل انقلاب عسكري وصراع سياسي محتدم.

هذا العفو يحتاج إلى تفسير، ولذلك فإن السؤال ليس: هل صدر عفو أم لم يصدر؟ اذ السؤال الأهم: لماذا صدرت البلاغات أصلًا؟ ومن الذي حركها؟ وعلى أي أساس؟ وهل يمكن تحويل خصومة سياسية إلى قضية جنائية، ثم بعد سنوات نأتي لنقول للناس: لقد عفونا عنكم، لكن الحق الخاص باقٍ؟.

هذا يشبه تمامًا أن تفتح باب السجن على رجل لمجرد أنك تملك المفتاح، ثم تقول له بعد فترة: (لقد قررت أن أعفو عنك). فيرد عليك الرجل:(لكن لماذا سجنتني؟) فتجيبه:(هذه مسألة أخرى.. لا تخلط الأوراق!) والأغرب أن الجاكومي، الذي لم يجد يومًا حاجة إلى تفويض من أبناء الشمال ليتحدث باسمهم، يريد اليوم أن يشرح لنا معنى الحقوق الخاصة للآخرين.

يا لها من مفارقة تستحق أن تُعلّق على باب السياسة السودانية! من لا يحتاج إلى تفويض حين يمثل الآخرين، لا ينبغي أن يطالب الآخرين بتقديم أوراق التفويض. ومن فوّض نفسه بنفسه، عليه أن يكون أكثر حذرًا عندما يبدأ في توزيع شهادات التفويض على الآخرين.

فالتفويض ليس بدلة تُرتدى في المناسبات، ولا لقبًا يُعلّق على الصدر، ولا تصريحًا صحفيًا يُطلق في الهواء.

التفويض هو أن يقول الناس: هذا يمثلنا. لا أن يقول الرجل: أنا أمثلهم.

والفارق بين الجملتين هو الفارق بين الديمقراطية وبين أن يصبح المرء، بقرار ذاتي، شعبًا وحكومةً ومفوضية انتخابات في شخص واحد.

 ربما يحتاج الجاكومي، قبل أن يقدم لنا درسًا جديدًا في العفو والحق الخاص، إلى أن يجيب عن أسئلة بسيطة جدًا:

من فوّضك لتمثيل شمال السودان؟

أين أبناء الشمال الذين قلت إنك تمثلهم؟ وأين المعسكر الذي قلت إنك ستقيمه في إريتريا؟ وأين ذهبت كل تلك المشاريع التي كانت كبيرة في التصريحات وصغيرة في الواقع؟ ثم، بعد كل ذلك، من هو صاحب الحق الخاص الذي تتحدث عنه؟.

أسئلة بسيطة، نعم. لكن يبدو أن السياسة السودانية في زمن العجائب أصبحت تحتاج إلى إجابات أعقد من السؤال نفسه.

أما الجاكومي، فقد أثبت لنا أن هناك نوعًا جديدًا من التفويض السياسي يمكن تسميته: التفويض الذاتي، حيث يفوض الرجل نفسه، ثم يبحث لاحقًا عن الشعب الذي يمثله. وبهذا المنطق يمكن أن نغلق صناديق الاقتراع، ونوفر الحبر الانتخابي، ونستغني عن الناخبين.

كل ما نحتاجه هو مرآة، يقف أمامها المرشح، ينظر إلى نفسه، ويقول:أفوّض نفسي بتمثيلكم جميعًا. ثم تبدأ الحكاية. أما الشعب، فليبقَ خارج القاعة. فقد يُفسد على الرجل اكتمال التفويض.

(الآراء الواردة في المقالات تُعبّر عن آراء الكتاب ولا تُعبّر بالضرورة عن وجهة نظر “إطلالة” )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي