مقالاتالسودان

مهدي داود الخليفة يكتب: الفن الذي صاغ وجدان السودانيين

فنانونا الراحلون خلّدوا في الذاكرة الجمعية ما عجزت عنه الكلمات العابرة وبقيت أعمالهم جسراً للفرح والحنين والوحدة في وطنٍ تتنازعه الجراح

مهدي داود الخليفة

أتي العيد إلى السودان هذا العام كما جاءت الأعياد في الأعوام الثلاثة الماضية: مثقلة بالحرب والفقد، وخالية من البشريات. ولم يكن هذا العيد مختلفاً عن سابقيه، إذ اختطف الموت الفنان المهذب مجذوب أونسة، بعد أيام من رحيل الفنان الدكتور عبدالقادر سالم، سفير الأغنية السودانية القادم من كردفان.

وحين يفقد السودان أحد مبدعيه، لا يسأل الناس من أي إقليم جاء، ولا إلى أي قبيلة ينتمي، بل يحزنون لأن جزءاً من ذاكرتهم الجميلة قد رحل. فقد تبادل السودانيون، من شمال البلاد إلى غربها وشرقها، كلمات الرثاء والمحبة، وبكوا الغناء الجميل والأخلاق الرفيعة التي ميّزت جيلاً كاملاً من الفنانين الذين صنعوا وجدان الأمة.

لقد أصبحت الأعياد بلا طعم حين غاب الذين كانوا يدخلون الفرحة إلى قلوب الناس. فالفن في السودان لم يكن ترفاً، بل كان جزءاً من الروح الوطنية نفسها، وجسراً عاطفياً جمع السودانيين حين عجزت السياسة عن جمعهم.

في البلدان التي تعثّرت فيها السياسة عن بناء هوية وطنية جامعة، غالباً ما ينهض الفن بدورٍ بديل، لا بوصفه ترفاً جمالياً، بل باعتباره فعلاً اجتماعياً عميق الأثر. والسودان، بتاريخه المثقل بالتعدد الثقافي والصراعات السياسية، يمثّل نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة؛ فبينما أخفقت الدولة السودانية، منذ الاستقلال، في إدارة التنوع وتأسيس عقد اجتماعي عادل، نجحت الأغنية السودانية في إنجاز ما عجزت عنه المؤسسات الرسمية: توحيد الوجدان وبناء شعور مشترك بالانتماء يتجاوز الجغرافيا والقبيلة والإثنية.

لم يكن الغناء السوداني يوماً مجرد وسيلة للترفيه، بل شكّل أحد الأعمدة الأساسية في التكوين الوجداني والروحي للسودانيين. فمن خلاله تعلّم الناس كيف يفرحون معاً، ويحزنون معاً، ويتشاركون الإحساس ذاته رغم اختلاف الأقاليم والثقافات والانتماءات.

لقد كانت الأغنية السودانية لغة وطنية غير مكتوبة، خاطبت الإنسان السوداني بوصفه إنساناً، لا تابعاً لقبيلة أو جهة أو حزب سياسي.

ومنذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بدأ الغناء السوداني في بناء هذا الجسر الوجداني عبر أصوات تحوّلت إلى ذاكرة وطنية جامعة: محمد أحمد سرور، كرومة، أحمد المصطفى، عبدالعزيز داود، حسن عطية، إبراهيم عوض، محمد وردي، العطبراوي، الكابلي، عثمان حسين، عثمان الشفيع، أبو عركي البخيت، البلابل، عبدالقادر سالم، مجذوب أونسة وغيرهم من عمالقة الفن السوداني.

هؤلاء الفنانون لم يرفعوا شعارات سياسية، لكنهم نجحوا في بناء وعي وطني صامت، كان أصدق من كثير من الخطب والبيانات. لم يُسألوا يوماً من أي جهة جاءوا، لأن الإجابة كانت دائماً واضحة في أصواتهم: نحن سودانيون.

من أكثر المشاهد دلالة على قوة الفن السوداني أن تجد مواطناً في دارفور يطرب للأغنية نفسها التي يستمع إليها شخص في كسلا أو دنقلا أو النيل الأزرق، بالإحساس ذاته والانفعال نفسه. لا يعرف أحدهما قبيلة الآخر، ولا خلفيته السياسية، لكنهما يلتقيان في مساحة وجدانية مشتركة اسمها السودان.

وهنا تكمن القوة الحقيقية للفن: أنه نجح فيما فشلت فيه السياسة. فبينما قسمت السياسة الناس إلى معسكرات وهويات متصارعة، ظل الفن يذكّرهم بأن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.

الحروب لا تدمّر المدن فقط، بل تدمّر أيضاً صورة الإنسان في ذهن أخيه الإنسان. وهنا يأتي دور الفن، لأنه يعيد للناس قدرتهم على التعاطف، وعلى رؤية بعضهم البعض كبشر لا كأعداء.

الفن لا يوقف الحرب بالرصاص، لكنه يساهم في تجفيف التربة النفسية والاجتماعية التي تنمو فيها الكراهية. فالأغنية التي تجمع السودانيين حول إحساس واحد، تستطيع أن تكسر خطاب الجهوية والعنصرية، وأن تعيد التذكير بوجود ذاكرة مشتركة ومصير مشترك.

لقد استخدمت شعوب كثيرة الفن بعد الحروب كوسيلة للمصالحة الوطنية، لأن الموسيقى والغناء يمتلكان قدرة نادرة على اختراق الحواجز النفسية التي تعجز السياسة عن تجاوزها.

وفي السودان اليوم، يمكن للفن أن يؤدي أدواراً حيوية، منها:

إعادة ترميم الوجدان الجمعي الذي مزقته الحرب

مواجهة خطاب الكراهية والانقسام

تعزيز فكرة الهوية الوطنية الجامعة

دعم ثقافة السلام والتسامح

منح الناس أملاً نفسياً في وسط هذا الخراب الكبير

فلا يمكن بناء سلام حقيقي بمجرد توقيع الاتفاقات السياسية، لأن السلام يبدأ أولاً من داخل الإنسان نفسه.في ظل هذه الحرب القاسية، لم يعد الفن مجرد نشاط ثقافي، بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية. فالسودان يحتاج اليوم إلى الأصوات التي تجمع، لا الأصوات التي تحرّض؛ إلى الأغاني التي تذكّر الناس بإنسانيتهم المشتركة، لا الخطابات التي تعمّق الانقسام.

وقد أثبتت التجربة السودانية نفسها أن الفن كان دائماً أكثر قدرة على عبور الجغرافيا والانتماءات الضيقة من النخب السياسية. لذلك فإن أي مشروع لبناء السلام في السودان لن يكتمل من دون إعادة الاعتبار لدور الفن والثقافة في إعادة صياغة الوعي الوطني.

تكشف تجربة الأغنية السودانية حقيقة عميقة: أن السودان لم يكن يوماً بلا وحدة، بل كانت وحدته وجدانية قبل أن تكون سياسية.

وإذا كانت الحرب قد فرّقت السودانيين مؤقتاً، فإن الفن ما يزال قادراً على تذكيرهم بأنهم أبناء ذاكرة واحدة، وأحزان واحدة، وأفراح واحدة.

فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، بل أيضاً بالأصوات التي تجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى مصير واحد، وبأن ما يجمعهم كأمة أكبر من كل الحروب.

رحم الله فنانينا الذين صاغوا وجدان هذه الأمة، وخلّدوا في الذاكرة الجمعية ما عجزت عنه الكلمات العابرة، وبقيت أعمالهم جسراً للفرح والحنين والوحدة في وطنٍ تتنازعه الجراح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *