مقالاتبريطانيا و أوروبا

بيرنام في 10 داوننغ ستريت .. درس جديد للعسكر وقادة أحزاب سودانية

ماذا  قال رئيس الوزراء البريطاني الجديد عن أولوياته  وما أبرز ما ورد في خطاب ستارمر الأخير ؟

محمد المكي أحمد:

الملك تشارلز الثالث يستقبل بيرنام ( رويترز)
بيرنام وزوجه ( رويترز)  ..
ستارمر في خطاب وداع قبل توجهه لمقابلة الملك تشارلز ( إطلالة)

شهدت لندن ، الإثنين، 20 يوليو 2026 ، حراكا سياسيا حيويا ..

في مشهد لافت، خاطب رئيس الوزراء البريطاني  المستقيل ( السابق)  كير ستارمر، صباح اليوم،  حشدا ضم مسؤولين و أعضاء بحزب العمال، أمام مقر رئاسة الحكومة في 10 داوننغ ستريت، وأعلن أنه سيتوجه إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته رسميا  إلى الملك تشارلز الثالث.

غادر ستامر مقر الحكومة ترافقه زوجه فيكتوريا .

بعدما قبل الملك استقالته، استقبل تشارلز الثالت ، زعيم حزب العمال الجديد، اندي بيرنام،  وكلفه برئاسة الحكومة، وقبل التكليف، وفقا للنظام المُتّبع.

انتقل رئيس الوزراء الجديد إلى مقر الحكومة، في 10 داوننغ ستريت، وهناك خاطب حشدا من مؤيديه، وعدد منهم جاءوا من مانشيستر، حيث كان يعمل  هناك عمدة .

هذه التفاعلات فرضت وجودها على الساحة البريطانية، اليوم،  بعدما أعلن ستارمر في وقت سابق  أنه  سيستقيل من زعامة حزب العمال، ورئاسة الحكومة.

 قرار استقالة ستارمر جاء  تحت ضغط شديد مارسه  برلمانيو حزب العمال على زعيمهم ،  كي يقدم  استقالته من زعامة الحزب  ورئاسة الحكومة، بعدما تعرض حزب العمال لخسائر كبيرة في الانتخابات المحلية، وتراجعت مكانته في أوساط الرأي العام.

في إطار هذه  التفاعلات  انتخب حزب العمال آندي بيرنام عمدة ما نشيستر السابق زعيما جديدا لحزب العمال.

 مهدت هذه الخطوة لتولي بيرنام  رسميا اليوم رئاسة الوزراء بعدما قدّم  ستامر رسميا استقالته  للملك ، وتم  هذا التطور وفق نظام دستوري وسياسي راسخ البنيان .

 تفاعلات المشهد بدت حيوية ..

وصل  بيرنام وزوجه إلى  10 داوننغ ستريت ( مقر رئاسة الحكومة)، وأعلن في أول خطاب أمام  حشد من مؤيديه، الخطوط العريضة لسياسته.

أعلن  أن حكومته  ستضع خطة جديدة مدتها عشر سنوات، وأنه سيدخل تغييرات سياسية واقتصادية، وأنه يسسعى لبناء اقتصاد  أفضل،  ودعم  الصناعة، ومساعدة الشباب على إيجاد فرص عمل من خلال تغيير النظام التعليمي وتقديم دعم صحي، ووضع  حد للمصاعب التي يواجهها الناس في مجال المعيشة .

 ورأى ” لم نكن ( في وقت سابق) عند المستوى المطلوب”  لافتا إلى أن الفترة الماضية شهدت  اعتماد المركزية السياسية، وقال ” سنغير السياسة لتُركز على حل المشاكل بدل تسجيل النقاط”.

وقال إن  مكافحة التشرد تأتي  في صدارة أولوياته، و سيسعى إلى بناء مزيد من المساكن الاجتماعية.

ورأى أن “على المملكة المتحدة أن تُظهر للعالم قدرتها على استعادة استقرارها”.

وخاطب  بيرنام  مؤيديه ووقفت إلى جانبه زوجه ماري فرانس  وأمه وأولاده .

قبل وصول آندي بيرنام  إلى مقر رئاسة الحكومة ، سجل رئيس الحكومة المستقيل كير ستارمر حضورا حيويا في 10 داوننغ ستريت .

قال ستامر لدى مخاطبته حشدا ضم قيادات وأعضاء في حزب العمال، قبيل توجهه للقاء الملك لتقديم استقالته رسميا، إنه ” الآن يسلم  أندي بيرنام رئاسة الوزراء”.

  وأعلن أنه  يدعم  زعيم الحزب الجديد، وهو رئيس الوزراء الجديد، وأكد  دعمه الكامل له، وتمنى  له التوفيق.

توجه  ستارمر بالشكر إلى الشعب البريطاني و عائلته وأطفاله ، وفريق عمله، و الموظفين في مجلس الوزراء  وأعضاء حزب العمال،وقال”إنني   أغادر  ( رئاسة الحكومة) وأنا مبتسم وفخور” بما تحقق.

لفت ستارمر في خطابه إلى النجاح الذي حققه حزب العمال الذي  حقق انتصارا انتخابيا كاسحا  في الانتخابات البرلمانية في العام 2024  التي حملته إلى رئاسة الحكومة.، وأطاحت حزب المحافظين من رئاسة الحكومة.

قال رئيس الوزراء المستقيل لمؤيديه، قبيل توجهه لتقديم استقالته إلى الملك ” تشرفت بخدمتكم وخدمة هذا البلد العظيم ” مشيرا إلى أن  اقتصاد بريطانيا في فترة رئاسة حكومته بات أقوى بالمقارنة لما كان عليه الحال قبل توليه رئاسة الحكومة، وأن الخدمات العامة تحسنت، وتم اخراج الأطفال من الفقر، ومعدلات الهجرة انخفضت وأن البلد في  وضع أفضل في مجال الدفاع والأمن.

أشير إلى أن المملكة المتحدة تعاني من مشكلة اقتصادية ، وتأثيرات قضية الهجرة غير القانونية  ، وقد أدت إلى ضغوط شديدة على حكومة ستامر،  وكما كتبت في قوت سابق فان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تسبب في مشاكل كثيرة .

 هناك أسباب أخرى من أهمها  أن عددا من أعضاء حزب العمال قد غادروه إلى حزب الخضر الصاعد   بسبب موقف حكومة ستامر في بداية الحرب الإسرائيلية على غزة،  رغم أنه  في وقت لاحق اعترف بـ ” الدولة الفلسطينية”واتخذ خطوات إيجابية داعمة للشعب الفلسطيني .

لكن الأهم في سياق أحداث اليوم أن تفاعلاتها  تؤشر إلى حقيقة كبرى، وهي  أن بريطانيا من خلال استقالة ستامر وتولي بيرنام رئاسة الحكومة  بطريقة سلسة قد  قدمت درسا ديمقراطيا، رائعا ، للعالم،  ودليلا جديدا على رسوخ دولة المؤسسات، والقيادة الوطنية الفذة ، الواعية ، والحريصة على مصالح البلد لا الفرد.

هذه التفاعلات تُرسل من خلال  الدرس  الديمقراطي والدستوري الرائع  ، رسائل ساخنة إلى  قادة أحزاب ، غارقة في وحل سياسة ” الأنا” التي تتحكم   في تصرفات ” قادة”  أحزاب و حكومات ، وبينها السودان .

السودان غارق في أوحال حكم  العسكر، الذين أحالوا حياة الناس إلى جحيم ، بالحرب،  والفشل الذريع  في تلبية  حقوق واحتياجات المواطن الحياتية، وفي صدارتها الأمن والاستقرار والعيش الكريم.

في ضوء أزمة السودان الحالية التي تعكس أزمة سياسية كبرى ، فان التفاعلات  البريطانية، الحيوية، اليوم،   تقدم  أيضا درسا لقيادات حزبية سودانية، فشلت على مدى سنوات عدة في بناء مؤسسات حزبية ديمقراطية، عصرية، تُمكّن أعضاء أي حزب ، وخصوصا الاحزاب الكبيرة من تغيير قياداتهم، ومعاقبتها بازاحتها من مواقع القيادة  في حال فشلها  في إدارة  عمل سياسي  ناجح ، أو في حماية النظام الديمقراطي وتحصينه من المؤامرات والانقلابات ، أو فشلها  في   إتاحة فرص القيادة للشباب.

حكم العسكر  في السودان يتناقض مع روح  العصر، وحق الإنسان السوداني في اختيار من يحكمه عبر انتخابات نزيهة وحرة.

 أتحدث عن السودان، لأن تاريخ السودان شهد تشكيل حكومات مُنتخبة، وثورات شعبية أطاحت أنظمة عسكرية سلميا.

 لكن الانقلابيين أطاحوا بحكومات منتخبة، ولم يتركوا فرصة للشعب ليحاسب أو يعاقب قادة الحكم المنتخبين عبر الانتخابات إذا رأى المواطنون  أنهم أخطأوا أو فشلوا في تحقيق تطلعاتهم .

الحديث عن العسكريين الانقلابيين  لا يعني أن نغض الطرف عن الأدوار السلبية التي لعبتها  وتلعبها قيادات حزبية، تُمسك بـ”كراسي الحكم” داخل أحزابها، ولا تعترف بأنها باتت فاقدة للشرعية،  لانها لم تحتكم  إلى  انتخابات تمنحها تفويضا جماهيريا، وهي تمارس ” حكمها” داخل أحزابها بفرض إرادتها ، ما أدى إلى تمزيق أحزابها، وإضعاف أدوارها.

 انشطر عدد من الأحزاب السودانية، وتحولت إلى  كيانات متنافرة، تقودها ” قيادات”  متشاحنة ومتباغضة ، وكلها تزعم  بأنها قيادات ” شرعية”.

معلوم أن لا مقارنة بين أوضاع الأحزاب البريطانية  والأحزاب السودانية، و لا تصح  المقارنة  أيضا بين دور الجيش في بريطانيا ودور الجيش في السودان.

في بريطانيا توجد مؤسسة عسكرية بكل ما تعنيه الكلمة من دلالات  ، وهي  مؤسسة لا علاقة لها بالسياسية، ولا تتدخل في شرون الحكم .

 وحينما تزايدت الضغوط على رئيس الحكومة المستقيل كير ستارمر من داخل حزبه لم يلجأ للاستقواء بالجيش، وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك في دولة المؤسسات ، التي لا وجود فيها لحكم بالقوة العسكرية، ولهذا  تفاعل  ستارمر  مع القيم الديمقراطية ، واستقال وهو قيادي منتخب  ، وأعلن دعمه لرئيس الوزراء الجديد.

أما في السودان فان  الجيش ” مختطف” حاليا من تنظيم سياسي ( الحركة الإسلامية منذ سنوات عدة) ،  و رغم النفي المتكرر لهذه الحقيقة   من قائد الجيش البرهان، فانها  تحكم   تحت مظلة الجيش  بقوة السلاح، بعدما أطاحت بها ثورة شعبية سلمية في العام 2019.

بعد  الثورة الشعبية التي اطاحت حكم عمر البشير تشكّلت  ما سميت بـ ” شراكة” عسكرية مدنية في فترة ” انتقالية”.

 وحينما حان موعد تسليم رئاسة ” مجلس السيادة” للمدنيين ” شركاء ” العسكر في حكم انتقالي بعد الثورة الشعبية السلمية ، قاد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان(رئيس  مجلس السيادة)، انقلابا عسكريا  بمشاركة نائبه   في “مجلس السيادة” قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو ( حميدتي)

انقلبا  على  ” الشركاء ” المدنيين وأدخلوهم السجون، وشردوهم ، وجرى هذا قبل إندلاع الحرب الحالية  بين القائدين العسكريين.

في لندن جرت عملية انتقال السلطة من ستامر إلى بيرنام ، اليوم ، بطريقة ديمقراطية ،  ووفقا لنظام سياسي ودستوري عريق .

إنها ممارسة ديمقراطية  رائعة تستحق التنويه ..

وهي  ممارسة تكشف الفروق الشاسعة بين من يحكم بارادة الشعب عبر تفويض انتخابي  في بريطانيا  ، وبين من يحكم  في السودان بفرض إرادته  وجبروته بقوة السلاح  على السودانيين.

 في السودان ينفذ قادة في الجيش انقلابات يدعمها هذا الحزب او ذاك .

  في السودان هناك قادة أحزاب  ” يحكمون أحزابهم ”  بفرض إرادتهم على  أعضاء الأحزاب و السودانيين كافة ، بدون إجراء انتخابات داخل أحزابهم ، وفي الحالتين (الانقلابات العسكرية والهيمنة  القيادية الحزبية)  فان تلك الممارسة تنتهك  حقوقا مشروعة للسودانيين.

الدرس البريطاني اليوم يقدم  فرصة جديدة إلى  ” قادة”سودانيين، كي يراجعوا  الخطى ويصححوا المواقف والأخطاء .

إنه درس قديم ،  وجديد،  ومتجدد، ومتاح أمام  من ىريد التعلم من الدروس النافعة ، ويرغب في مواكبة روح العصر، قبل أن يحل حتما  الطوفان، الجارف، اليوم ، أو غدا.

محتاجون جميعا أن نتأمل دروس التاريخ .. المريرة والنافعة..

التعلم من  تجارب  الدول الناجحة  التي تحترم إرادة الشعوب متاح أمام الجميع. .

رابط في ( إطلالة) يوضح خلفيات استقالة ستارمر :

ستامر يستقيل ويُمهّد الطريق أمام أندي بورنام ليتولى زعامة “العمال” ورئاسة الحكومة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي