مقالاتالسودان

أديس أبابا أمام اختبار التاريخ..هل ينجح السودانيون في تحويل فرصة الحوار إلى بداية للسلام؟

مهدي داود الخليفة

بينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي قد يحدد مصير الدولة لأجيال قادمة. فمنذ اندلاع القتال في أبريل 2023، لم يحقق أي طرف نصراً حاسماً، بينما حققت الحرب وحدها انتصاراتها الكاملة على الوطن والمواطن. فقد تمددت المأساة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، ودُمِّرت أجزاء واسعة من البنية التحتية، ونزح الملايين داخل البلاد وخارجها، وأصبحت المجاعة والأوبئة والخوف جزءاً من الحياة اليومية لملايين السودانيين.

في هذا السياق، ينعقد اجتماع الآلية الخماسية في أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026وسط آمال كبيرة وتوقعات متباينة. وبعيداً عن المبالغة في تقدير ما يمكن أن يحققه الاجتماع أو التقليل من أهميته، فإن الحقيقة الموضوعية تشير إلى أنه يمثل واحدة من أهم الفرص السياسية المتاحة حالياً لوقف انحدار السودان نحو مزيد من الفوضى والانقسام.

وتنبع أهمية هذا الاجتماع من كونه امتداداً لمخرجات مؤتمر برلين، الذي شهد للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب تقارباً ملحوظاً بين طيف واسع من القوى السياسية والمجتمعية السودانية حول مبادئ أساسية، في مقدمتها إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة المناخ لحوار سياسي سوداني شامل.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، أصبح من الصعب على أي مراقب موضوعي أن يجادل بأن الحرب يمكن أن تقدم حلاً للأزمة السودانية. فالجيش لم يتمكن من فرض سيطرة كاملة على البلاد، كما أن قوات الدعم السريع لم تستطع فرض واقع سياسي جديد يمنحها الشرعية أو الاستقرار، بينما ظل الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر.

لقد أثبتت تجارب التاريخ الحديث أن الحروب الأهلية نادراً ما تنتهي بانتصار عسكري حاسم. ففي جنوب أفريقيا لم يسقط نظام الفصل العنصري بالحرب الشاملة، وإنما بالتفاوض. وفي كولومبيا لم تتمكن الدولة من القضاء على التمرد المسلح خلال عقود من القتال، وانتهى الأمر باتفاق سياسي تاريخي. وفي رواندا، ورغم المأساة الإنسانية الهائلة، لم يتحقق الاستقرار إلا عندما جرى الانتقال من منطق الصراع والثأر إلى منطق بناء الدولة والمصالحة الوطنية.

هذه التجارب لا تعني أن السودان نسخة مطابقة لأي منها، لكنها تقدم درساً مهماً: فالحروب قد تفرض وقائع جديدة، لكنها لا تبني سلاماً دائماً. أما السلام المستدام فيحتاج إلى إرادة سياسية وشجاعة أخلاقية وقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة.

وفي هذا الإطار، يثير اعتذار بعض مكونات الكتلة الديمقراطية عن المشاركة في الاجتماع قدراً من الأسف، إذ كانت هذه مناسبة نادرة لجمع أكبر عدد ممكن من الفاعلين السودانيين في محاولة للبحث عن مخرج وطني للحرب. فالدعوة إلى عقد الحوار داخل السودان تظل هدفاً مشروعاً، غير أن الجميع يدرك أن ذلك يتطلب أولاً وقف إطلاق النار، وإطلاق الحريات العامة، ووقف الاعتقالات، وتهيئة المناخ السياسي والأمني اللازم لحوار جاد وشامل. ولذلك قد ينظر كثير من السودانيين إلى قرار المقاطعة باعتباره تفويتاً لفرصة سياسية مهمة في لحظة وطنية حرجة.

وفي المقابل، يجدر الإشادة بالتنظيمات والقوى المنضوية تحت مظلة الكتلة الديمقراطية التي آثرت المشاركة في الاجتماع، مقدمةً أولوية السلام والحوار على الخلافات السياسية والإجرائية. فقرار هذه القوى بالحضور يعكس قدراً من المسؤولية الوطنية والإدراك لحجم المخاطر التي تواجه البلاد، ويؤكد أن البحث عن الحلول لا يكون بالغياب عن طاولات الحوار، وإنما بالمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل. وفي ظل المأساة الإنسانية المتفاقمة، فإن كل خطوة تقرّب السودانيين من بعضهم البعض تستحق الدعم والتقدير.

ولعل ما يجعل اجتماع أديس أبابا فرصة مهمة هو أن القضايا المطروحة على جدول أعماله تتجاوز الخلافات التقليدية بين القوى السياسية لتلامس احتياجات السودانيين المباشرة، وفي مقدمتها وقف الحرب ومنع توسعها، وحماية المدنيين والبنية التحتية، ومكافحة خطاب الكراهية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ودعم الموسم الزراعي، وإطلاق عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة. وهي جميعها أولويات وطنية تمس حياة الملايين من السودانيين.

كما أن أهمية الاجتماع تكمن في أنه يجمع أطرافاً سياسية ومدنية ومجتمعية متنوعة كانت حتى وقت قريب تتحرك في مسارات متوازية أو متعارضة. ورغم اختلاف الرؤى والمواقف، فإن مجرد الجلوس إلى طاولة واحدة لمناقشة مستقبل السودان يمثل خطوة إيجابية ينبغي البناء عليها لا التقليل من شأنها.

غير أن الملاحظ هو تراجع مستوى تمثيل منظمات المجتمع المدني والمجموعات الشبابية والنسائية، رغم أنها كانت من أكثر القوى تحملاً لأعباء الحرب وأكثرها ارتباطاً بمصالح المواطنين اليومية. فأي عملية سياسية لا تمنح هذه المكونات مساحة مؤثرة في صناعة السلام قد تفقد جزءاً من شرعيتها المجتمعية وقدرتها على إنتاج حلول مستدامة.

إن نجاح اجتماع أديس أبابا لا يعتمد على الآلية الخماسية وحدها، بل يعتمد قبل كل شيء على مدى جدية وإرادة القوى السودانية المشاركة في الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية. فالمجتمع الدولي يستطيع أن يوفر المنبر، ويسهّل الحوار، ويمارس الضغوط، ويقدم الحوافز، لكنه لا يستطيع أن يصنع السلام نيابة عن السودانيين.

وفي الوقت نفسه، تبرز مخاوف مشروعة من أن تؤدي محاولات توسيع الاجتماع بصورة غير مدروسة أو تحويله إلى منصة لإرضاء مجموعات لا ترى في التسوية السياسية خياراً حقيقياً إلى إغراق العملية التفاوضية وتعطيل أهدافها الأساسية. كما أن تباين الرؤى بين بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين قد ينعكس سلباً على فرص تحقيق توافق داعم للعملية السلمية إذا لم تتم معالجته بحكمة وتنسيق فعال.

إن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن المواقف القديمة، بل البحث عن مساحات جديدة للتوافق. وليس المطلوب إثبات من كان على حق ومن كان على خطأ، بل البحث عن كيفية إنقاذ ما تبقى من الوطن. فالسياسة في لحظات الأزمات الوطنية الكبرى لا تُقاس بمدى التمسك بالمواقف، وإنما بمدى القدرة على حماية مصالح الشعوب ومستقبل الأوطان.

وإذا تمكنت القوى المشاركة من التوافق على وثيقة سياسية مشتركة، ولجنة تحضيرية موحدة، وخارطة طريق واضحة للعملية السياسية، فإن ذلك سيبعث برسالة قوية إلى الداخل والخارج بأن السودانيين ما زالوا قادرين على إنتاج حلول سياسية رغم تعقيدات الحرب. كما سيوفر أساساً معقولاً لبناء ضغط إقليمي ودولي منظم على أطراف القتال، ويمنح ملايين السودانيين أملاً حقيقياً في أن السلام ما زال ممكناً.

وربما تكون أهم نتيجة يمكن أن يحققها الاجتماع هي استعادة مركز الثقل السياسي والمدني في معالجة الأزمة، بعد أن ظلت البنادق وحدها تتحدث لفترة طويلة.

أما إذا أخفق الاجتماع في الحفاظ على التوافق الذي بدأ يتشكل في برلين، فإن السودان قد يواجه مرحلة أكثر خطورة؛ فالحرب مرشحة للتوسع جغرافياً، والانقسام السياسي مرشح للتعمق، بينما ستزداد معاناة المدنيين وتتراجع فرص الوصول إلى تسوية شاملة. ولهذا فإن الفشل لن يكون خسارة لطرف سياسي بعينه، بل خسارة للسودان كله.

لقد اعتاد السودانيون عبر تاريخهم أن يختلفوا سياسياً، لكنهم كانوا يلتقون عندما يصبح الوطن مهدداً. فعلوها في عام 1955 عندما توحدت الإرادة الوطنية حول الاستقلال حين أدرك الزعيم إسماعيل الأزهري أن إرادة السودانيين تتجه نحو الاستقلال الكامل، وحين ذرف الإمام عبد الرحمن المهدي دموع الفرح لا لأن السودان نال استقلاله فحسب، بل لأن أبناءه اجتمعوا على كلمة سواء، فوضعوا الوطن فوق كل اعتبار. وفعلوها في أكتوبر 1964، ثم في أبريل 1985، ثم في ديسمبر 2018، حين تجاوز السودانيون خلافاتهم والتقوا حول قيم الحرية والكرامة والتغيير.

واليوم يقف السودان أمام واحد من أخطر المنعطفات في تاريخه الحديث. فالقضية لم تعد تتعلق بمن يحكم أو بمن ينتصر في معركة عابرة، بل أصبحت تتعلق بمصير الدولة نفسها، وبالحفاظ على وحدتها ومنع انهيارها وتفككها.

إن ملايين السودانيين في معسكرات النزوح، وتحت الحصار، وفي مناطق الجوع والخوف، لا ينتظرون بيانات جديدة أو خطابات إضافية، بل ينتظرون قراراً شجاعاً يوقف نزيف الدم ويعيد إليهم حقهم في الحياة والأمن والكرامة.

ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن يحملها المشاركون إلى قاعة اجتماعات أديس أبابا هي أن السلام لم يعد خياراً سياسياً من بين عدة خيارات، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة وواجباً أخلاقياً ومسؤولية تاريخية أمام الأجيال القادمة.

قد لا يكون الطريق سهلاً، وقد لا تُحل جميع القضايا دفعة واحدة، لكن بداية الطريق نحو السلام تظل أفضل من الاستمرار في طريق الحرب الذي لم يجلب سوى الدمار والتمزق.

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى منتصر جديد في ساحة القتال، بل يحتاج إلى منتصر واحد هو السلام.

وإذا نجح اجتماع أديس أبابا في وضع حجر الأساس لهذا السلام، فإن التاريخ سيتذكره باعتباره اللحظة التي ارتفع فيها أبناء السودان إلى مستوى التحدي، وقرروا استعادة وطنهم من قبضة الحرب.

فهل يفعلها السودانيون مرة أخرى كما فعلوها في محطاتهم الوطنية الكبرى؟

وهل يرتفع أبناء السودان اليوم إلى مستوى التحدي التاريخي الذي يواجه وطنهم؟

ذلك هو السؤال الذي ستجب عنه الأيام، وسيحفظ التاريخ إجابته للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *