مقالاتالسودانبريطانيا و أوروبا

 حروفي المتمردة عن “سيكولوجيا النجاة”

غاية التعافي ليست أن تصبح إنسانًا لا يؤذيه شيء، بل أن تظل قادرًا على الحياة والمحبة والثقة، دون أن تفقد حقك في الحماية والاختيار

رفيدة ياسين 

إعلامية سودانية –

في اليوم العالمي للصحة النفسية..

أكتب لكم حروفي المتمردة ..

من منظور متبحر في تعقيدات النفس البشرية..

عن “سيكولوجيا النجاة”..

ليست الصحة النفسية أن تعيش بمنأى عن الألم، ولا أن تبلغ من الصلابة حدًّا لا تنفذ إليك معه الخيبات، وإنما أن تتعلم كيف تعبر أوجاعك دون أن تفقد صلتك بنفسك، وكيف تنجو من قسوة التجارب دون أن تستعير قسوة من آذوك.

فالسلام النفسي ليس ترفًا يُضاف إلى رفاهية الحياة، بل هو جوهر قدرتنا على احتمالها.

وربما كان أعظم ما نبلغه من النضج أن ندرك أن بعض الخسارات ليست إلا أثمانًا مستحقة لاستعادة ذواتنا، وأن الانسحاب من كل ما تستنزف الروح ليس هزيمة، بل شجاعة في اختيار النفس حتى وإن كانت متأخرة.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الأذى في حد ذاته، بل ذلك الاضطراب الذي يخلّفه حين يُدفع إلى الشك في إدراكه، ومراجعة ذاكرته، والتشكيك في مشروعية مشاعره.

فالتلاعب النفسي لا يبدأ دائمًا بالكذب الصريح..

قد يبدأ بإعادة صياغة الوقائع انطلاقا من نصف الحقيقة، وقلب مواقع الضحية والمعتدي، وتحويل الاعتراض المشروع إلى تهمة، حتى يجد المرء نفسه منشغلًا بالدفاع عن اتزانه بدلًا من مساءلة ما تعرّض له.

وثمة مفارقات إنسانية تستحق التأمل، فليس كل من أجاد تمثيل البراءة بريئًا، ولا كل من أكثر الحديث عن الفضيلة فاضلًا، ولا كل من اتهم الآخرين بالاضطراب النفسي يملك من الاتزان ما يؤهله للحكم عليهم. وبعض الذين يبالغون في استعراض مثاليتهم إنما يشيّدون صورة يريدون للعالم أن يصدقها، وربما أرادوا لأنفسهم أن يصدقوها قبل الجميع.

غير أن الوعي النفسي الحقيقي لا يتمثل في الانشغال بتعرية الآخرين، ولا في تفسير كل إساءة بوصفها حسدًا، وكل خلاف بوصفه تلاعبًا، بل في امتلاك البصيرة التي تميّز بين الخطأ العابر والنمط المؤذي، وبين اختلاف الرؤى ومحاولات السيطرة، وبين النقد الذي يُنمّي الذات والإهانة التي تستهدف تقويضها.

فليس النضج أن تصبح خبيرًا في عيوب الآخرين، بل أن تكفّ عن جعل عيوبهم قدرًا يحكم حياتك.

وتبدأ استعادة الاتزان حين تتحرر من الحاجة المستمرة إلى التصديق الخارجي..

يكون الإنسان حراً حين لا يعود تقديره لذاته رهينة مدح يمنحه إياه أحد، أو قدح يسلب به آخر شعوره بالقيمة.

يتشكل الوعي النفسي فقط حين ندرك أن مشاعرنا هي مسؤوليتنا، لكنها ليست موضع إدانة، وأن امتلاك زمامها لا يعني قمعها، بل فهمها وتنظيمها، وألّا نسمح للآخرين باستدراجنا إلى استجابات تخالف حقيقتنا.

يبدأ الوعي النفسي بالتوقف عن الإسهاب في الشرح أو التبرير، لا عجزًا عن الدفاع عن النفس، بل إدراكًا أن الحقيقة لا تصبح أكثر صدقًا بكثرة تكرارها، وأن بعض العقول لا ينقصها الدليل بقدر ما تنقصها الرغبة في الإنصاف.

ومن علامات النضج النفسي كذلك أن نتعلَّم كيف نتمهّل، ألّا نستجيب لذعر مفتعل، ولا نتخذ قرارات مصيرية تحت وطأة الخوف أو الاستعجال المصطنع. فالتلاعب يجد في الارتباك بيئة خصبة، بينما يمنح التريث تلك المسافة الضرورية بين الانفعال والفعل، حيث يستعيد العقل قدرته على التمييز.

علينا أن نتعلَّم الإصغاء إلى الأفعال أكثر من الأقوال، فالثقة لا تصنعها البلاغة، وإنما يكشفها اتساق السلوك، والاحترام لا تثبته ادعاءات النبل، بل تكشفه المواقف، لا سيما حين تتعارض المصالح وتسقط المجاملات.

ولعل أصعب أشكال التحرر النفسي هو التحرر من قلق الفقد، ذلك الخوف الذي يجعل الإنسان أحيانًا يساوم على كرامته كي لا يُهجر، ويتنازل عن حدوده كي لا يُرفض، ويتمسك بما يؤذيه خشية الفراغ الذي سيتركه رحيله.

فمن يخشى الوحدة إلى حدّ التنازل عن نفسه، قد يجد نفسه وحيدًا حتى في أشد العلاقات ازدحامًا.

العلاقات السامة قد تكلف الإنسان عمراً بأكمله، هنا يصبح التخلي ضرورة لاستعادة السلام النفسي.

والتصالح مع الذات لا يعني الاستغناء عن البشر، ولا تحويل الاستقلال العاطفي إلى عزلة متعالية،  فالإنسان بفطرته يتعافى أيضًا بالمحبة والأمان لكن هذه القيم لا توفرها إلا الروابط الإنسانية السليمة وبحاجة لشخوص أسوياء.

الفارق هنا يتحدد بأن تصبح العلاقة اختيارًا يثري وجودك، لا ضرورة تبتلع هويتك، وهذا لا يحدث إلا حينما يدعمك الصديق ويحميك الحبيب وتزهر في محيطك المهني والإنساني.

الحماية النفسية في البيئات غير السوَّية ستفرض عليك أن تتقبل، بقدر من السكينة، أنك قد تكون الشرير في رواية لم تكتبها، وأن صورتك في أذهان الآخرين ليست دائمًا مسؤوليتك.

ليس مطلوبًا منك أن تخوض معركة لتصحيح كل تصور، أو أن تظل أسيرًا لمحاكمات لا تنتهي. ومع ذلك، فالصمت ليس فضيلة مطلقة، إذ قد يصبح الدفاع عن النفس أحيانا ضرورة إجرائية وقانونية وقائية حين تمسّ الافتراءات كرامتك أو حقوقك أو سلامتك.

والحكمة أن تعرف متى يستحق الأمر صوتك، ومتى يكون الصمت أبلغ، ومتى يكون الرحيل أكثر الأجوبة اكتمالًا.

ثمّة حقيقة أعمق من كل ذلك: أن الصحة النفسية ليست حالة نهائية نصل إليها فنأمن بعدها الانكسار. فقد نكون على قدر كبير من الوعي، ثم تهزمنا خسارة، أو تربكنا خيبة، أو توقظ فينا تجربةٌ قديمة ألمًا حسبناه انطفأ.

وليس في ذلك ما ينتقص من نضجنا، فالوعي لا يمنح الإنسان حصانة من الألم، ولا يحول دون تعرضه للخداع أو الاستغلال، لكنه يمنحه أدوات أفضل لفهم ما يحدث، والاعتراف بما يشعر به، وطلب العون حين يحتاج إليه، واستعادة توازنه دون أن يخجل من هشاشته.

التعافي النفسي ليس أن تنسى ما حدث، بل أن تتوقف عما حدث عن منح الماضي سلطة مطلقة على حاضرك، وأن تحرص على أن تكون ناجٍ لا ضحية.

وليس السلام النفسي أن تسامح الجميع، أو أن تتظاهر بأن شيئًا لم يكن، أو أن تتخلى عن حقك في الإنصاف، بل أن تتعلم كيف تطالب بحقوقك دون أن يصبح الأذى مركز وجودك، وكيف تحمي نفسك دون أن تعيش أسيرًا للارتياب، وكيف تحتفظ بإنسانيتك دون أن تجعل منها بابًا مشرعًا لاستباحتك.

وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، لعل أصدق ما يمكن أن نقوله إن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من القوة، بقدر ما يحتاج إلى مساحة آمنة يستطيع فيها أن يكون ضعيفًا دون أن يُستغل، وصادقًا دون أن يُدان، ومختلفًا دون أن يُقصى، ومتألمًا دون أن يُشكَّك في ألمه.

وليس السلام النفسي أن تنتصر في كل معاركك، بل أن تنجو من بعضها دون أن تفقد السلام في نفسك.

وأجمل ما قد تهبك إياه الحياة بعد تجاربها القاسية ليس أن تعود كما كنت، بل أن تعود أكثر فهمًا لنفسك، وأقل خوفًا من الفقد، وأكثر رحمة بهشاشتك، وأشد وعيًا بما يستحق أن تمنحه من روحك.

فغاية التعافي ليست أن تصبح إنسانًا لا يؤذيه شيء، بل أن تظل قادرًا على الحياة والمحبة والثقة، دون أن تفقد حقك في الحماية والاختيار ، وهذه هي سيكولوجيا النجاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي