.
بشير محمد إبراهيم
ناشط مجتمعي –
يكشف تمديد مجلس الأمن الدولي للعقوبات المفروضة على السودان لشهرين إضافيين عن مفارقة واضحة: اعتراف دولي بخطورة الحرب وتداعياتها، يقابله غياب التوافق حول أدوات التعامل معها. وبين الدعوات إلى توسيع القيود والتحفظات عليها، تستمر الحرب في استنزاف المجتمع السوداني وتتفاقم الأزمة الإنسانية. لذلك لا تكمن أهمية القرار في تمديد العقوبات فحسب، بل في كشف التباينات الدولية وطرح سؤال قدرة المجتمع الدولي على تحويل القلق إلى ضغط يفتح الطريق أمام إنهاء الحرب.
بالأمس 8 أكتوبر 2026، اعتمد مجلس الأمن القرار 2830 بالإجماع، ومدّد نظام العقوبات حتى 11 ديسمبر، وولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027. وجاء القرار تمديداً تقنياً قصير الأجل لإتاحة وقت إضافي للمفاوضات، بعد تعثر التوافق على مقترح أمريكي لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله (وكالات).
وتكشف الخطوة عن خلاف يتجاوز التفاصيل الإجرائية؛ فواشنطن ترى أن النظام القائم لم يعد كافياً لمواجهة الحرب، بينما تتمسك موسكو وبكين بالإبقاء على نطاقه الحالي. وهكذا اتفق أعضاء المجلس على استمرار العقوبات، دون تطويرها.
ولا ينبغي لنا المبالغة في أثر العقوبات أو التقليل منها. فهي قد تقيّد حركة أشخاص وكيانات محددة وتدعم المساءلة، لكنها لا توقف الحرب وحدها، إذ يتطلب ذلك معالجة تدفقات السلاح والتمويل، والضغط على الأطراف المتحاربة، وضمان وصول المساعدات، وإطلاق مسار سياسي جاد.
أزمة الفعل المدني لا أزمة البرامج؛
يبقى السؤال: هل تغيب البدائل المدنية، أم تعجز القوى التي تملك رؤى ومبادرات عن تحويلها إلى تأثير مشترك؟
القوى المدنية السودانية ليست فراغاً سياسياً. فهناك تحالف صمود، وقوى إعلان المبادئ التي يشارك فيها صمود إلى جانب قوى وتنظيمات أخرى، كحركة تحرير السودان، وحزب البعث العربي الاشتراكي، كما يطرح الحزب الشيوعي السوداني رؤيته لإنهاء الحرب والتحول الديمقراطي. وتوجد مبادرات وشبكات مدنية ونقابية ومجتمعية تتقاطع في أهداف عدة، رغم اختلافها في تقييم المسارات السياسية وشروط التسوية وطبيعة المرحلة المقبلة.
وقد شهدت الساحة محاولات للتقارب، لكنها لم تنهِ التشتت. فالخلاف لا يتعلق بالهدف النهائي فقط، بل بكيفية الوصول إليه، ومن يشارك في العملية السياسية، والضمانات اللازمة لمنع إعادة إنتاج الأزمة.
ينبغي هنا التمييز بين تعدد الرؤى، وهو طبيعي في مجتمع متنوع، وتعطيل العمل المشترك بسببه. فليس المطلوب تطابق البرامج، بل إدارة الاختلاف والتعاون في القضايا المشتركة.
قد آن الأوان للتخلي عن انتظار وحدة تنظيمية شاملة تسبق أي عمل مشترك. فالتوافق لا يكفي ما لم يتحول إلى آليات تنتج نتائج ملموسة. إذ يمكن للقوى المدنية البدء بمشروعات محددة، تحتفظ فيها كل جهة باستقلالها، وتتفق على مسؤوليات ومدة زمنية واضحتين. ويمكن مثلا، اختبار تعاون لمدة تسعين يوماً حول ملف مدني، ثم نشر النتائج وتقييم التجربة قبل توسيعها.
كما يمكن بناء تحالفات مرنة حسب القضية، فتتعاون القوى المتفقة على مبادرة إنسانية أو جهد دبلوماسي أو مشروع لحماية المدنيين، دون اشتراط اتفاقها على كل قضايا الانتقال. وينبغي توسيع المشاركة لتشمل النقابات والمبادرات الشبابية والنسوية والمجموعات المحلية وروابط السودانيين في الخارج، بدلاً من حصر السياسة المدنية في اجتماعات القيادات وبياناتها.
هذه ليست بديلاً عن الحوار السياسي، بل وسيلة في وجهة نظري الشخصية، لبناء الثقة بالممارسة. فبدلاً من انتظار الوحدة كي تصبح القوى المدنية فاعلة، يمكنها التعاون في ملفات محددة وترك الإنجاز يمهّد لتنسيق أوسع.
من المؤكد أن لا يضمن تمديد العقوبات تحولاً في مسار الحرب، وقد يستمر الخلاف داخل مجلس الأمن. لكنه يتيح مواصلة الضغط الدولي، وتحسين الرقابة على تدفق السلاح، والدفع نحو حماية المدنيين ووقف القتال.
وفي المقابل، لا ينبغي للقوى المدنية الاكتفاء بمراقبة المواقف الدولية أو انتظار توافق القوى الكبرى. فكلما قدمت مبادرات عملية، ووسعت التنسيق، وأثبتت قدرتها على تحويل الرؤى إلى خطوات قابلة للتنفيذ، ازدادت فرص حضورها في أي مسار جاد لإنهاء الحرب.
الظرف السوداني الحالي لا يحتاج إلى بيانات تكرر المبادئ نفسها، بقدر حاجته إلى قوى تجعل تلك المبادئ أساساً للعمل. وقد لا تكون الوحدة الشاملة ممكنة قريباً، لكن التعاون المرحلي المحدد والواضح ممكن، ويمكن أن يكون نقطة البداية.
فالعقوبات لا تصنع السلام وحدها، والمبادرات المدنية لا تؤثر بمجرد إعلانها.
وبين ضغط دولي يحتاج إلى أدوات أكثر فاعلية، وقوى مدنية مطالبة بتجاوز عوائق العمل المشترك، تظل الفرصة قائمة لبناء مسار سوداني يضع إنهاء الحرب واستعادة الدولة المدنية في مقدمة الأولويات.

