بشير محمد إبراهيم
ناشط مجتمعي
ليست أنشودة الجن، مجرد قصيدة عذبة تتغنى بالجمال والشراب والموسيقى، وليست قيمتها في خفة إيقاعها وسلاسة ألفاظها وحدهما. وراء هذا الغناء الراقص شيء أكثر مراوغة؛ شاعر يستدعي عالماً كاملاً من الذاكرة الفنية، ثم يتصرف فيه بحرية مدهشة، كأنه لا يريد أن يرث الماضي فحسب، بل أن يختبر قدرته على منافسته وإعادة تشكيله.
والسؤال الذي يستحق أن نبدأ منه ليس: لماذا تبدو القصيدة ساحرة؟ بل: ما الذي يجعل التجاني يوسف بشير يحتاج إلى الجن، والخمر، وزرياب، ومعبد، والمربد، كي يقول شيئاً عن نفسه بوصفه شاعراً؟.
من هنا تبدأ القراءة المختلفة. فربما لم تكن أنشودة الجن، أنشودة عن الغناء وحده، بل أنشودة عن الرغبة في بلوغ أقصى ما يستطيع الفن بلوغه، وعن العلاقة الملتبسة بين الموهبة والتراث، وبين لذة الإبداع وإغراء المجاوزة.
قم يا طرير الشباب: لماذا يبدأ الشاعر بالأمر؟
قم يا طرير الشباب
غنِّ لنا غنِّ
يا حلو يا مستطاب
أنشودة الجن
يفتتح التجاني القصيدة بفعل أمر: «قم». ليست البداية وصفاً لمغنٍّ يغني بالفعل، وإنما إستنهاض لقوة لم تدخل المشهد بعد. كأن الغناء لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى إرادة تستحضره، وإلى شاعر يعرف ما يريد من هذه القوة.
لكن من هو طرير الشباب؟.
من الممكن جداً أن يكون مغنياً متخيلاً، أو صورة للفنان الفتي، أو تجسيداً للطاقة الإبداعية نفسها. والقصيدة لا تُلزمنا باختيار تفسير واحد. الأهم أن الشاعر يخاطب كائناً يمتلك القدرة على الغناء، لكنه يطلب منه أن يطلقها أمام الآخرين (غنِّ لنا).
هنا توجد ملاحظة صغيرة، التجاني هو الذي يصنع القصيدة، لكنه يضع في واجهتها صوتاً آخر يأمره بالغناء، فلماذا لا يغني بنفسه؟. في ظني، ربما التجاني هنا، يريد أن يتحول من صاحب الصوت إلى صانع المشهد؛ أن يكون المايسترو الذي يضبط الحركة، ويستدعي العازفين، ويحدد اتجاه الموسيقى، من دون أن يظهر دائماً في مركز الصورة. إنه لا يكتفي بأن يكون مغنياً، بل يريد أن يكون خالقاً للعالم الذي يغني فيه الآخرون.
أما (أنشودة الجن)، فتفتح باباً آخر. فالجن، في المخيلة الشعبية، كائنات تتصل بالغموض والخفاء وما يتجاوز المألوف. واستدعاؤها يمنح الغناء قوة استثنائية، كأن ما ننتظره ليس أداءً بشرياً عادياً، بل صوتاً يأتي من منطقة مجهولة في الخيال. ولا يعني ذلك أن القصيدة تحكي عن الجن بالمعنى الحرفي. فالعنوان يؤدي وظيفة جمالية، ويرفع سقف التوقع، ويهيئ المتلقي لسماع ما لا يشبه الغناء اليومي.
لكن هل يحتاج الشاعر إلى الجن لأن الواقع لا يكفيه؟ أم لأنه يريد للفن أن يبدو قادراً على اختراق حدود الواقع؟. ربما تكمن الإجابة في الأمرين معاً، فالفن يبدأ من العالم الذي نعرفه، لكنه لا يكتفي به، بل يضيف إليه ما ينقصه، ويخلق ما لا تستطيع الحياة العادية تقديمه.
الأعناب والشراب: هل نحن أمام قصيدة لذة أم طقس إبداعي؟.
وأقطف لي الأعناب
وأملأ بها دني
الأعناب هنا في ظني، ليست تفصيلاً عابراً في مشهد احتفالي. إنها تنقل القصيدة من استدعاء الصوت إلى صناعة الجو الذي سيولد فيه الغناء. فالشاعر لا يطلب نغماً فقط، بل يريد عالماً مكتملاً، شراباً، وموسيقى، وخيالاً، وفضاءً يسمح للمتعة بأن تتجاوز حدودها المألوفة. واللافت أن الخمر في الشعر العربي ليست دائماً موضوعاً عن الشرب بقدر ما هي رمز للتحرر من القيود، أو للخروج من صرامة الحياة اليومية، أو لخلق لحظة استثنائية يتغير فيها إدراك الأشياء. لكن اختزالها في معنى رمزي واحد سيكون تبسيطاً؛ فهي أيضاً جزء من تقاليد شعرية معروفة، استثمرها الشعراء بطرائق مختلفة. ففي “أنشودة الجن”، يمكن قراءة الشراب باعتباره عنصراً في طقس فني متخيل. إنه يهيئ المسرح للغناء، ويمنح المشهد إحساساً بالامتلاء والانفلات من المألوف.
ولكن السؤال هنا؛ لماذا لا يكتفي التجاني بالموسيقى وحدها؟ لماذا يجمعها بالشراب والخيال وأسماء التاريخ؟. في رأيي المتواضع أيضا، أن الإجابة تكمن في أن التجربة التي يريد بناءها ليست تجربة سمعية خالصة. إنه يريد أن يحاصر المتلقي بالجمال من جهات متعددة، وأن يجعل القصيدة أشبه بحالة من الانتشاء تتداخل فيها الحواس والذاكرة والإيقاع، وهنا تظهر إحدى خصائص النص؛ فالشاعر لا يصف المتعة فقط، بل يصنع لغتها وإيقاعها بحيث يشارك القارئ في تخيلها.
استدعاء زرياب ومعبد: من الذي يملك حق وراثة العبقرية؟
من عبقري الرباب
أو حرمي الفن
ثم تأتي الأسماء التي تجعل القصيدة أكثر من مجرد مجلس للغناء وتتواصل الأوامر؛
وامسح على زرياب
واطمس على معبد
وامشِ على الأحقاب
وطف على المربد
هنا نصل إلى قلب القصيدة، وإلى أكثر مواضيعها إثارة للتأويل. فزرياب، هو الموسيقي الذي ارتبط اسمه بتطوير الممارسة الموسيقية في الأندلس، ومعبد، المغني الذي تحتفظ به الذاكرة العربية ضمن أعلام الغناء القديم، والمربد، الفضاء الأدبي الذي ارتبط بالشعر واللغة والرواية والتنافس؛ ليست هذه أسماء اعتباطية. إنها علامات على تاريخ فني وثقافي يريد الشاعر أن يدخله بكامل ثقله.
لكن التجاني لا يكتفي باستدعائها بوصفها شواهد على عظمة الماضي. إنه يضعها داخل سلسلة من الأفعال الحركية: (امسح)، (اطمس)، (امشِ)، (طف). والفارق بين هذه الأفعال مهم من وجهة نظري المتواضعة. فـامشِ على الأحقاب، يوحي بالعبور فوق الحقب والأزمنة، وكأن التاريخ ليس جداراً يقف أمام الشاعر، بل أرض يستطيع أن يتحرك عليها. وطف على المربد،
هنا يستدعي فضاءً من المنافسة الشعرية واللغوية، كأنما التجاني يدخل ساحة الأسلاف ليختبر صوته بينهم. أما واطمس على معبد، فهي العبارة الأكثر استفزازاً، والأكثر استحقاقاً للتأمل، فلماذا يختار التجاني فعل اطمس، بدلاً من أن يقول مثلاً؛ نافس معبداً، أو تجاوزه؟. الطمس أقوى من المنافسة؛ فهو يوحي بإزالة الأثر، أو محو العلامة، أو جعل السابق أقل ظهوراً أمام اللاحق.
لكن وضع العبارة في سياق قصيدة تتغذى على الموروث يمنعنا من التعامل معها باعتبارها إعلاناً بسيطاً عن احتقار الماضي. يمكن أن تكون مبالغة شعرية تكشف عن شهية جامحة للتفوق الفني، ويمكن أن تكون تمثيلاً درامياً لصوت الفنان الذي لا يريد أن يعيش في ظل من سبقوه، ويمكن أيضاً أن تكون جزءاً من تقليد شعري قديم يبالغ فيه الشاعر في وصف قدرته، حتى يجعل منافسة الكبار ضرباً من اللعب اللغوي.
وبالتاكيد، لا يمكن الجزم بأن التجاني قصد واحداً من هذه المعاني دون غيره. لكن تعدد الاحتمالات هو ما يجعل العبارة جديرة بالقراءة. فأعتقد أن التجاني يحتاج إلى معبد لكي يتخيل تجاوزه، ويحتاج إلى زرياب لكي يختبر حدود طموحه. فالأسلاف هنا ليسوا مجرد أسماء تزين القصيدة؛ إنهم المقاييس التي يضع الشاعر موهبته أمامها. وهذه هي المفارقة؛ إذ لا يستطيع المبدع أن يعلن استقلاله عن الأسلاف إلا بعد أن يجعلهم حاضرين في عالمه. فهل يريد التجاني محو السابقين حقاً، أم يريد محو المسافة التي تفصله عنهم؟.
لا شك أن الاحتمال الثاني أكثر ثراءً من الناحية الفنية، فالرغبة في “طمس” السابق قد تكون، في عمقها، رغبة في بلوغ مقامه، والتحرر من سلطة المقارنة به. إنها شهوة الاعتراف، أن يصبح الشاعر اسماً يُستدعى في المستقبل، لا مجرد صوت يستدعي أسماء الماضي. من هذه الزاوية، تبدو القصيدة كأنها تخوض معركة صامتة حول مكانة الموهبة، فالموروث يمنح الشاعر لغته وأسماءه وفضاءه، لكنه يفرض عليه أيضاً سؤالاً لا مهرب منه؛ ماذا ستضيف أنت إلى ما ورثت؟. هنا تأتي أهمية أنشودة الجن بوصفها مسرحاً للمنافسة في تصوري، فمن السهل أن نقرأ الأسماء التراثية باعتبارها إشارات ثقافية، ثم نمضي إلى المقطع التالي.
لكن هذا يفوّت علينا بنية مهمة في القصيدة. فالتجاني لا يستدعي الماضي لكي يحكي عنه؛ إنه يستحضره ليضعه في مواجهة مع الحاضر الذي يصنعه. والفرق بين الأمرين كبير، ففي القراءة الأولى يصبح الشاعر دليلاً سياحياً في تاريخ الغناء. أما في القراءة الثانية، فإن التاريخ يتحول إلى مسرح للمنافسة، وتصبح القصيدة محاولة لإثبات أن الموهبة الجديدة ليست أقل قدرة من المواهب التي سبقتها. ولذلك فإن الانتقال من زرياب إلى معبد، ومن الأحقاب إلى المربد، ليس مجرد تجميع لأسماء لامعة. إنه توسيع للمشهد، وتكثيف للإحساس بأن الشاعر يتحرك داخل زمن طويل، يريد أن يختصر مسافاته ويستحوذ على طاقته.
وهنا يمكن أن نلمح وجهاً آخر للتجاني؛ الشاعر الذي لا يرضى بأن تكون علاقته بالتراث علاقة تلميذ بأستاذ، أو تابع بسابق، بل يريدها علاقة ندية، حتى لو كانت الندية هنا طموحاً شعرياً أكثر منها حكماً موضوعياً على قيمة السابقين. ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الطموح الذي تصنعه القصيدة وبين حقيقة تاريخية تثبت أن التجاني تجاوز زرياب أو معبداً في الفن. النص لا يقدم لنا حكماً نقدياً موثقاً على مراتب الفنانين، وإنما يكشف عن الطريقة التي يتخيل بها الشاعر موقعه من تاريخ الإبداع. وهذا، في حد ذاته، موضوع يستحق التأمل؛ إذ كيف يصنع المبدع صورته عن نفسه من خلال علاقته بمن سبقه؟.
من الربى والوهاد إلى عيد يعم البلاد؛
سح في الرُّبى والوهاد
واسترقص البيداء
واسكب على كل ناد
ما يسحر الغيدا
وفجّر الأعواد
رجعاً وترديدا
حتى ترى في البلاد
من فرحةٍ عيداً
بعد صخب المنافسة مع الأسلاف، تتغير حركة القصيدة. لم يعد المشهد مقتصراً على المغني أو مجلسه، بل صار الغناء قوة تنتشر في المكان. الربى والوهاد والبيداء ليست خلفيات صامتة؛ إنها تضاريس تتحرك عبرها الموسيقى. والغناء لا يبقى محصوراً في دائرة ضيقة، بل يصل إلى الأندية، ويتردد صداه، حتى تبلغ الصورة ذروتها في فرح يشمل البلاد. دعونا نلاحظ التدرج هنا؛ يبدأ الصوت في صورة مغنٍّ يُستدعى، ثم يتحول إلى حركة تعبر الأمكنة، وينتهي إلى أثر جماعي تتجسد صورته في العيد. هذا البناء ليس تفصيلاً عابراً في ظني، بل يمنح القصيدة اتساعاً درامياً؛ فكل مقطع يوسع حدود المشهد، حتى يبدو الغناء قادراً على تحريك الطبيعة والمجتمع معاً.
لكن ثمة مفارقة تستحق الانتباه، كيف ينتقل الشاعر من رغبة تبدو فردية في مجاوزة الأسلاف إلى صورة من الفرح العام؟.
لعل الإجابة أن الفن، مهما ارتبط بطموح صاحبه، لا تكتمل حياته داخل ذات المبدع. فالشاعر قد يبدأ من رغبته في إثبات نفسه، لكن عمله لا يصبح تجربة فنية مكتملة إلا حين يجد طريقه إلى الآخرين. إن العيد هنا ليس بالضرورة رمزاً سياسياً أو إعلاناً عن مشروع اجتماعي. إنه، في المستوى المباشر، ذروة المشهد الاحتفالي. ومع ذلك، فإن اختيار العيد تحديداً يمنح النهاية معنى يتجاوز مجرد الاستماع؛ فالفرح يصبح مناسبة مشتركة، لا لذة فردية فحسب. ويمكن أن نلاحظ أيضاً أن الشاعر لا يشرح كيف يحدث هذا التحول. إنه لا يقدم حجة عقلية عن أثر الموسيقى، بل يبني سلسلة من الأفعال والصور تجعل الانتشار والفرح نتيجة متخيلة لحركة الغناء. وهذه من قدرات الشعر التي يصعب اختزالها في الأفكار المجردة؛ إنه يستطيع أن يجعلنا نشعر بإمكان ما، قبل أن يقدم لنا تفسيراً له.
حين يصبح الجمال تجربة جسدية؛
صوّر على الأعصاب
وارسم على حسي
جمالك الهياب
من روعة الجرس
تدخل القصيدة هنا، إلى منطقة أكثر خصوصية، فبعد أن حرّك الغناء في الأمكنة، يعود إلى أثره داخل الإنسان. “صوّر على الأعصاب”، عبارة لافتة لأنها تنقل فعل التصوير من الورق أو اللوحة إلى الجسد. و”ارسم على حسي”، تجعل الحواس سطحاً يتشكل عليه الجمال، أما “روعة الجرس” فتربط هذه الصور كلها بالصوت والإيقاع. ليس المقصود أن الموسيقى ترسم صورة مرئية بالفعل، بل أن الشاعر يجعل السمع قادراً على إنتاج أثر يشبه الرؤية واللمس. وهذه ليست زينة بلاغية وحسب؛ إنها طريقة في جعل التجربة الفنية محسوسة.
فالجمال في القصيدة لا يظل فكرة نعرفها أو حكماً نصدره، بل يتحول إلى شيء يحدث لنا. الصوت يؤثر في الأعصاب، والإيقاع يحرك الحس، واللغة تمنح هذا الأثر هيئة يمكن تخيلها. لكن لماذا يستخدم الشاعر مفردات الجسد تحديداً؟. أعتقد الإجابة، في أن الجسد هو المجال الذي تتحول فيه الموسيقى من ذبذبات مسموعة إلى تجربة معاشة. فنحن لا نستقبل الإيقاع بعقولنا وحدها؛ نستجيب له بأجسادنا، وبذاكرتنا، وبما يثيره فينا من انفعال. وهنا تتجلى حيلة التجاني الفنية؛ إنه لا يريد أن يقول إن الغناء جميل، بل يريد أن يبني اللغة بحيث يشعر القارئ بأن الجمال يمارس فعله عليه. ولذلك فإن القصيدة، رغم اعتمادها الواضح على الإيقاع والطرب، ليست مجرد استعراض لمهارة موسيقية. إنها أيضاً استعراض لقدرة اللغة على نقل تجربة حسية من مستوى إلى آخر، بحيث نكاد نرى الصوت ونلمس أثره.
من اتساع العالم إلى ضيق الكأس؛
واستدنِ باباً باب
واقعد على نفسي
حتى يجف الشراب
في حافة الكأس
تأتي النهاية على نحو يختلف عن اتساع المقاطع السابقة. فبعد أن امتد الغناء عبر الربى والوهاد والبيداء، وبعد أن تخيل الشاعر فرحاً يعم البلاد، يعود بنا إلى مشهد ضيق وحميم؛ النفس، والكأس، وما تبقى من الشراب.
فلماذا ينتهي النص بهذا الانكماش بعد ذلك الاتساع؟.
ذلك في اعتقادي، لأن القصيدة لا تسير في اتجاه واحد. إنها توسع المشهد ثم تعيده إلى الداخل؛ ترفع الغناء إلى مستوى العالم، ثم ترده إلى تجربة الفرد. وكأن أثر الفن لا يكتمل بالانتشار وحده، بل يحتاج أيضاً إلى لحظة يختلي فيها الإنسان بما أحدثه فيه.
وعبارة “واقعد على نفسي”، شديدة الخصوصية، فالنفس هنا ليست مجرد مكان للراحة، بل حيز داخلي يريد الشاعر أن يستقر فيه الصوت أو الأثر. ويبدو فعل “استدنِ”، دعوة إلى الاقتراب المتدرج، لا إلى استمرار الاستعراض الصاخب.
فأما “حتى يجف الشراب في حافة الكأس”، فتضع نهاية ملموسة لطقس الانتشاء. ثمة زمن يمر، وشراب ينقص، وكأس يصل إلى حافته الأخيرة. وبذلك لا تنتهي القصيدة بانفجار موسيقي، بل بصورة هادئة نسبياً، تترك المتلقي داخل المشهد بدلاً من أن تطرده منه بخاتمة تقريرية.
يمكن أن نقرأ هذا الختام باعتباره عودة من المجال العام إلى التجربة الشخصية، ما بدأ أمراً بالغناء ينتهي بطلب القرب. وما انتشر في البلاد يعود إلى النفس. لكن من المهم ألا نحول هذا التأويل إلى حقيقة وحيدة. فقد يكون المشهد استمراراً لمجلس الطرب، وقد تكون له دلالات أخرى تتصل بالحميمية والانتشاء. إن قوة النهاية أنها تترك مجالاً لهذه الاحتمالات، من دون أن تفقد تماسكها مع حركة القصيدة. والأهم أنها تكشف عن توازن دقيق؛ التجاني يريد للغناء أن يكون واسعاً بما يكفي ليملأ العالم، وقريباً بما يكفي ليجلس على عتبة النفس.
فهل القصيدة عن الجن أم عن الشاعر نفسه؟، إذا جمعنا هذه الخيوط، ظهر لنا أن أنشودة الجن، تعمل على أكثر من مستوى. في ظاهرها، هي قصيدة غناء وطرب، تستدعي الشراب والموسيقى والخيال. وفي بنيتها، هي حركة متدرجة من استحضار الصوت إلى استحضار التراث، ثم توسيع المشهد حتى يعم الفرح المكان، قبل العودة إلى التجربة الداخلية. أما في عمقها المحتمل، فهي قصيدة عن طموح المبدع إلى امتلاك صوته الخاص.
يبدأ التجاني باستدعاء المغني، ثم يستدعي كبار أهل الفن، ويتحرك بين الأزمنة، ويأمر بتجاوز أحد رموز الغناء، قبل أن يجعل الموسيقى قوة تملأ البلاد وتستقر في الحواس. وفي كل ذلك، يظل السؤال عن موقع الشاعر حاضراً، حتى عندما لا يتحدث عن نفسه بصورة مباشرة.
فهو لا يقدم سيرته، ولا يروي صراعه مع المجتمع، ولا يشرح ظروفه الشخصية. لكنه يصنع مشهداً يمكن أن نقرأ داخله توتراً بين الرغبة في الانتماء إلى تقليد فني قائم، والرغبة في ألا يظل أسيراً له. وهنا تصبح أنشودة الجن، أكثر من قصيدة طرب. إنها، من هذه الزاوية، تجربة في تخيل الحرية الإبداعية، أن تدخل عالم السابقين من أبوابه الواسعة، وأن تعرف أسماءهم، وتستفيد من طاقاتهم، ثم تحاول أن تخلق لنفسك مكاناً لا يختصر في كونك امتداداً لهم. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسب إلى التجاني برنامجاً نقدياً حديثاً لم يصرح به، أو أن نتعامل مع كل صورة في القصيدة باعتبارها شفرة تخفي وراءها موقفاً فلسفياً محدداً. فالشعر ليس بياناً سياسياً مكتوباً بلغة مستعارة، وليس كل استعارة لغزاً يحتاج إلى مفتاح واحد. إن القراءة التي تستحق اسمها هي التي تكشف الاحتمالات من غير أن تدعي امتلاك الحقيقة النهائية.
ختاماً، فإن “أنشودة الجن”، تستمد سحرها من تضافر عناصر عدة؛ إيقاع يستدعي الغناء، وصور تنقل المتعة من السمع إلى الحواس، وأسماء تراثية تتحول إلى أطراف في منافسة شعرية، وحركة تبدأ من صوت فردي وتتسع إلى مشهد عام، قبل أن تعود إلى النفس والكأس. لكن ما يجعلها جديرة بإعادة القراءة ليس جمالها وحده، بل ما تتيحه من أسئلة عن علاقة الموهبة بما سبقها، وعن قدرة الشاعر على أن يستمد من التراث من دون أن يكتفي بترديده. إن “واطمس على معبد”، ليست بالضرورة إعلان حرب على الماضي؛ قد تكون المبالغة التي يكشف بها الشاعر عن شهوة بلوغ القمة. واستدعاء زرياب ليس مجرد احتفاء باسم كبير؛ إنه وضع الذات أمام تاريخ من الإنجاز. أما الانتقال من الربى والوهاد إلى الأعصاب والنفس، فيكشف عن قدرة الفن على التحرك بين المجال الواسع والتجربة الحميمة.
وربما كانت المفارقة الأجمل أن التجاني، وهو يستدعي الجن ليصنع عالماً استثنائياً، لا يحتاج إلى مغادرة اللغة البشرية كي يحقق سحره. فالسحر الحقيقي يحدث داخل الكلمات، في اختيار الأفعال، وفي انتظام الأصوات، وفي المسافة بين صورة وأخرى، وفي ما تتركه العبارة من احتمالات لا تستنفدها القراءة الأولى.
لهذا لا أظن أن أفضل طريقة لقراءة أنشودة الجن هي البحث عن رسالة مخفية واحدة وراءها، بل الإصغاء إلى الصراع الذي ينظم عالمها، الشاعر يريد أن يرث تاريخ الفن، لكنه يريد أيضاً أن يتحرر من ظله؛ يريد للغناء أن يملأ العالم، لكنه يعود في النهاية ليختبر أثره في النفس. وبين هاتين الرغبتين تتولد القصيدة، من ذاكرة لا يستطيع المبدع الاستغناء عنها، ومن طموح لا يسمح له بأن يظل مجرد صدى لها.
ذلك، في تقديري، أحد أسرار أنشودة التجاني يوسف بشير، أنها لا تغني للماضي وحده، بل تغني أيضاً للرغبة الإنسانية في أن نأخذ ما ورثناه، ثم نصنع منه شيئاً يحمل صوتنا نحن.

