بشير محمد إبراهيم
ناشط مجتمعي –
ليست المشكلة في أن يغيّر السياسي موقفه استجابةً للوقائع، فذلك من طبيعة العمل السياسي، وإنما في أن يطرح مبادرة للحوار، ثم يصدر من التصريحات ما يثير الشك في شروطها وغاياتها.
وهذا تحديداً ما يجعل خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان الأخير جديراً بالمراجعة، ليس فقط بسبب تناقضاته، وإنما لما يمكن أن تتركه من أثر على فرص الخروج من الحرب.
ففي أغسطس الماضي، أعلن البرهان موافقته على توفير ضمانات قانونية وأمنية وسياسية لحوار سوداني–سوداني، مؤكداً استقلال الآلية المنظمة له، وعدم تدخل الدولة في أجندته أو مخرجاته. وفي سبتمبر، تحدث عن التزام الدولة بتنفيذ ما ينتهي إليه الحوار من توصيات تخدم المصلحة العامة.
لكن تصريحاته في وادي حلفا، في 21 أكتوبر، حملت نبرة مختلفة؛ إذ استبعد عودة عبد الله حمدوك وتحالف صمود إلى السلطة بل الي الوطن برمته، ورفض أي تفاوض مع قوات الدعم السريع، مصحوباً بخطاب يصف خصومه السياسيين بالخيانة والعمالة.
هنا يبرز السؤال؛ إذا كان الحوار مستقلاً وشاملاً، فمن الذي يملك حق استبعاد أطراف سياسية مسبقاً، أو تقرير من يحق له المشاركة في مستقبل البلاد؟ وهل يُراد للحوار أن يكون مساحةً مفتوحة لتوافق السودانيين، أم إطاراً سياسياً تتحكم سلطة الأمر الواقع في حدوده ونتائجه؟.
لا يعني ذلك أن جميع الأطراف متساوية في المسؤولية عن الحرب، أو أن الدعوة إلى الحوار تقتضي تجاوز الجرائم والمساءلة. لكن ثمة فرقاً بين رفض العنف ومحاسبة المسؤولين عنه، وبين استخدام الاتهامات السياسية العامة لإغلاق باب المشاركة أمام الخصوم.
فالحوار الوطني لا يفقد معناه بسبب الاختلاف، بل يفقده حين تصبح نتائجه محددة سلفاً، أو تتحول المشاركة فيه إلى اختبار للولاء.
وتتضح المفارقة أكثر عند مقارنة الخطاب الداخلي بخطاب البرهان الموجه إلى الخارج. ففي رسالته إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحدث عن استعداد الحكومة للعمل بحسن نية مع الأطراف المعنية من أجل سلام عادل ودائم. لكن خطابه العلني في الداخل شدد على مواصلة العمليات العسكرية، ورفض التفاوض مع الدعم السريع، واستبعد قوى مدنية بعينها من العودة إلى السلطة.
قد تختلف لغة الخطاب باختلاف الجمهور، وقد يكون من المشروع أن تتباين المواقف التفاوضية عن التصريحات الجماهيرية. غير أن الفارق يصبح إشكالياً حين لا يجد المتابع خيطاً سياسياً واضحاً يصل بين التعهد بالسلام في الخارج، وتضييق مساحة التسوية في الداخل.
فالمجتمع الدولي لا يحتاج إلى عبارات مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى خطوات قابلة للتحقق، كما أن السودانيين لا يحتاجون إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى وقف الحرب وتهيئة شروط سلام مستدام.
أما لجنة الحوار السوداني–السوداني، فهي الطرف الذي يواجه الآن مأزق امتحان الثقة الأصعب. فقد قُدّمت المبادرة باعتبارها مساراً مستقلاً يتيح للسودانيين مناقشة مستقبل بلادهم، لكن تصريحات البرهان تضع اللجنة أمام أسئلة لا تستطيع تجاوزها؛ ما حدود استقلالها؟ وهل تملك فعلاً حرية تحديد المشاركين والأجندة؟ وكيف يمكنها إقناع القوى المتحفظة على المبادرة بأن نتائج الحوار لن تُصاغ خارج قاعاته؟.
هذه الأسئلة ليست حكماً مسبقاً على نيات اللجنة أو أعضائها، وإنما استحقاق تفرضه طبيعة المهمة التي يضطلعون بها. وقد أبدت قوى مدنية مناهضة للحرب، بالفعل، تحفظات على المبادرة، معتبرة أن إجراء حوار تحت رعاية أحد طرفي الحرب، ومن دون وقف شامل لإطلاق النار ومسار سياسي مستقل، يثير مشكلات تتعلق بالمصداقية والشمول.
ولكي تستعيد اللجنة الثقة، لا يكفي أن تؤكد استقلالها؛ بل عليها أن تثبته عملياً، عبر ضمان مشاركة القوى المدنية المتنوعة، وعدم إقصاء المعارضين، ووضوح قواعد الحوار، وربط المسار السياسي بوقف الحرب وحماية المدنيين. كما أن على البرهان نفسه أن يوضح ما إذا كان مستعداً لقبول حوار لا يضمن له أو لحلفائه نتائج سياسية مسبقة.
في نهاية المطاف، لا تُقاس جدية أي مبادرة بعدد الاجتماعات أو التصريحات المؤيدة لها، بل بقدرتها على توسيع مساحة التوافق وتقليص مساحة الحرب. والسودان، الذي يدفع مواطنوه أثماناً باهظة من أرواحهم ووطنهم ومستقبلهم، لم يعد يحتمل حواراً تتقدم فيه الوعود خطوة، ثم ترجعها التصريحات خطوات.
فهل يريد البرهان حواراً يفتح الطريق أمام توافق سوداني حقيقي، أم حواراً لا يتجاوز حدود المواقف التي رسمها مسبقاً؟ الإجابة لن تأتي من الخطب، وإنما من مدى استعداد العسكر لقبول الاختلاف، وضمان استقلال العملية، وترك مستقبل الحكم للسودانيين عبر مسار مدني شامل وذي مصداقية.

