د. الطيب حاج مكي
للجنيه السوداني إخوة كُثر في مدرسة الأزمات والانهيارات، تخرّجوا جميعاً من أكاديمية الاضطراب السياسي وسوء الإدارة الاقتصادية؛ وأقرب أشقائه إليه الريال اليمني، وشقيقته في الفساد الليرة اللبنانية، وابن خالته الدينار العراقي، وأحياناً الدينار الليبي. غير أن للجنيه السوداني خصوصيةً تجعله حالةً دراسية فريدة (Unique Case Study)
في بلدان أخرى تنهار العملات ثم تتداعى الأوضاع المعيشية، أما عندنا فتبدو الأزمات وكأنها تتسابق لمعرفة أيها يصل أولاً إلى جيب المواطن. وتحريا للدقة فان التراجع المستمر للجنيه أمام العملات الأجنبية ليس أصل الداء، بل أشبه بجرس إنذار ظل يصدح فوق مبنى تتصدع أساساته منذ سنوات.
ولكن بعد انقلاب عام 2021 اتسعت الفجوة بين احتياجات الاستيراد وقدرة الاقتصاد على توليد العملات الصعبة، فتراجعت قيمة العملة الوطنية، وتصاعد التضخم، ومع اندلاع الحرب تآكلت القوة الشرائية للجنيه بوتيرة أسرع من قدرة الرواتب والدخول على التقاط أنفاسها.
ولهذا خلال النصف الأول من عام 2026 ازدادت الضغوط بفعل تمويل التسلح وتقلبات أسواق الطاقة العالمية. ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز زاد الطين بلة، فقفز سعر برميل الوقود من 86 دولاراً إلى 186 دولاراً خلال شهرين فقط، بزيادة بلغت 120%. وارتفعت تكلفة الباخرة الواحدة المحملة بنحو 40 ألف طن من الوقود من 25–30 مليون دولار إلى أكثر من 70 مليون دولار، وكأن فاتورة الاستيراد قررت أن تخوض الحرب بدورها.
هذا الارتفاع كشف هشاشة ميزان المدفوعات السوداني بلا مواربة. إذ تورد بيانات بنك السودان للربع الأول من عام 2026 أن صادرات الذهب الرسمية بلغت نحو 370 مليون دولار، بينما وصلت فاتورة استيراد الوقود إلى 697 مليون دولار. والنتيجة فجوة تمويلية قدرها 326 مليون دولار، فتزايد الطلب على الدولار، وشح المعروض، وتسابقت الصرافات إلى البحث عنه، ليتلقى الجنيه جولة جديدة من الضغوط في مباراة لا يبدو أن لها حكماً يطلق صافرة النهاية.
لكن الوقود ليس سوى فصل من الرواية. أما العقدة الحقيقية فتتمثل في تسرب موارد النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية. فوفقاً لبيانات وزارة المعادن، بلغ إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 نحو 70 طناً، بينما لم يُصدَّر رسمياً سوى 14 طناً فقط، ما يعني أن نحو 56 طناً غابت عن النظام المصرفي وقنوات التصدير الرسمية، وكأنها قررت الهجرة دون تأشيرة أو ختم مغادرة، علماً بأن الذهب في بلادنا لا يحتاج أصلاً إلى تأشيرة عبور.
وتزداد الصورة دلالة عندما ننظر إلى القيمة الاقتصادية لهذه الكمية. فباحتساب متوسط سعر يبلغ 4,000 دولار للأوقية، تتجاوز قيمة الذهب المفقود 7.2 مليار دولار. وهو رقم يفوق بأكثر من 20 مرة الفجوة التمويلية البالغة 326 مليون دولار بين صادرات الذهب وواردات الوقود خلال الربع الأول من عام 2026. ومبلغ كهذا كفيل ليس فقط بحماية قيمة العملة الوطنية، بل بدعم احتياطي معتبر من العملات الأجنبية وتمويل واردات الوقود والقمح والدواء. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: إلى أين تذهب هذه المليارات؟
اقتصادياً، العلاقة واضحة ولا تحتاج إلى لجنة تقصي حقائق. فعندما تتراجع تدفقات النقد الأجنبي يضعف الجنيه، وعندما يضعف الجنيه ترتفع تكلفة الاستيراد. وبما أن الاقتصاد السوداني يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتلبية احتياجاته الأساسية، تنتقل زيادة تكلفة الوقود سريعاً إلى الزراعة والنقل والغذاء والدواء والسلع والخدمات، لتتحول أزمة الصرف إلى موجة تضخمية لا تترك قطاعاً إلا وتمر عليه.
وفي نهاية هذه السلسلة من الاختلالات يبقى المواطن السوداني هو الممول الإجباري للأزمة. ترتفع أسعار الوقود فتزداد تكاليف المواصلات والكهرباء والإنتاج، ويتراجع الجنيه فتقفز أسعار السلع الأساسية، بينما تتآكل الأجور البائسة والمدخرات تحت وطأة التضخم..
ولا يقف هذا الضغط عند حدود العاملين وأصحاب الدخول الثابتة، بل يمتد إلى ملايين الأسر التي تعتمد على تحويلات أبنائها في المهجر، إذ تتآكل القيمة الحقيقية لهذه التحويلات أمام التسارع المحموم للأسعار، وكأن التضخم يسبق الحوالة إلى مائدة الأسرة. أما الفئات التي تقيم في المخيمات وتعتمد على المساعدات الإنسانية، فتجد نفسها بين مطرقة الغلاء وسندان شح الدعم، رهينةً لبخل المانحين أحياناً وغضِّ الطرف الدولي عن مآسي المواطن السوداني أحياناً أخرى، في وقت تتسع فيه فجوة الاحتياجات الإنسانية بوتيرة أسرع من تدفق المساعدات. وهكذا تتراجع مستويات المعيشة بوتيرة تكاد تسخر من الخطط البيروقراطية والوعود المتكررة والمؤتمرات الصحفية.
ومهما يكن، فإن كل هذه المعطيات تؤكد أن أزمة الجنيه ليست أزمة ندرة موارد، بل أزمة إدارة موارد. فالسودان يمتلك ثروة زراعية وحيوانية ومعدنية قادرة على رفد الاقتصاد بمليارات الدولارات سنوياً، غير أن خروج الجزء الأكبر منها خارج المظلة الرسمية يحرم البلاد من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
ولهذا فإن أي استراتيجية جادة لإنتشال الجنيه يجب أن تبدأ باستعادة دولة القانون وبسط السيطرة على موارد الذهب على وجه الخصوص، وجذبها إلى النظام المصرفي، وتطوير أدوات مالية جاذبة للمنتجين والمصدرين، وتوسيع أسواق الصادرات الوطنية، وتقليل الاعتماد على الدولار في تمويل الواردات الاستراتيجية.
وغني عن القول إن الاستقرار النقدي لا يُستعاد بقرارات إدارية مؤقتة، ولا بإلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك، بل بمعالجة الفجوة بين ما تملكه البلاد من موارد وما يصل منها فعلياً إلى الاقتصاد الوطني. فكل دولار يتسرب من عائدات الصادرات ينعكس على سعر الصرف، وكل تراجع في قيمة الجنيه يترجم مباشرة إلى غلاء وتضخم وتراجع في مستوى المعيشة.ليظل الجنيه السوداني مرآة الاقتصاد الأكثر صدقاً؛ فإذا أُحسن تدبير الموارد واستقامت الإدارة استعاد شيئاً من عافيته ومكانته، كما شهدنا خلال فترة وزارة د إبراهيم البدوي،
أما إذا استمرت الاختلالات فسيظل الجنيه والمواطن معاً يدفعان فاتورة الفرص الضائعة والثروات المهدرة؛ أحدهما يفقد قيمته في الأسواق، والآخر يفقد قدرته على مجاراة الحياة.

