مهدي داود الخليفة:
لم يعد تراجع الجنيه السوداني مجرد مؤشر اقتصادي عابر أو أزمة مؤقتة في سوق الصرف، بل أصبح مرآةً تعكس عمق الأزمة الوطنية الشاملة التي يعيشها السودان سياسياً واقتصادياً وأمنياً. فمع استمرار الحرب وتفاقم حالة عدم الاستقرار، شهدت العملة الوطنية واحدة من أسرع موجات التدهور في تاريخها الحديث، حيث قفز سعر الدولار الأمريكي خلال فترة وجيزة من نحو 4550 جنيهاً إلى ما يقارب 5800 جنيه.
ويأتي هذا التراجع الحاد امتداداً لمسار الانهيار الذي بدأ منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، حين كان سعر الدولار في السوق الموازية يدور حول 600 جنيه فقط، قبل أن يتجاوز 5800 جنيه بحلول يونيو 2026، ما يعني أن الجنيه السوداني فقد أكثر من 88% من قيمته خلال أقل من ثلاث سنوات. ويعكس هذا التدهور حجم الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد السوداني نتيجة توقف عجلة الإنتاج في العديد من القطاعات، وتراجع الصادرات، وتعطل النشاط التجاري والاستثماري، واستنزاف موارد النقد الأجنبي، فضلاً عن تآكل الثقة في المؤسسات الاقتصادية والمالية للدولة.
غير أن خطورة الأزمة لا تكمن في الأرقام الحالية وحدها، بل في المسار الذي يتجه إليه الاقتصاد السوداني. فاستمرار الحرب يعني استمرار استنزاف الموارد وتراجع الإنتاج وتقلص الإيرادات العامة، وهي عوامل تدفع بمزيد من الضغوط على سعر الصرف. ولذلك فإن الحديث عن مستويات أعلى للدولار في المستقبل لا يعكس مجرد تشاؤم، بل قراءة لاتجاهات اقتصادية قائمة ما لم يحدث تغيير جذري في مسار الأزمة.
على أن قراءة هذا المسار تظل مرتبطة بجملة من العوامل البنيوية التي تتجاوز سعر الصرف في حد ذاته، لتشمل طبيعة الاقتصاد الوطني وقدرته على الصمود وإعادة التكيف.
تاريخياً، لا توجد دولة خاضت حرباً طويلة دون أن تدفع عملتها الوطنية الثمن. فالحروب تستهلك الموارد، وتدمر البنية الإنتاجية، وتقلص الإيرادات الضريبية والجمركية، وتدفع الحكومات إلى زيادة الإنفاق العسكري على حساب التنمية والخدمات.
وفي السودان تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لأن الحرب لم تضرب قطاعاً واحداً فقط، بل أصابت معظم مصادر الدخل القومي، ومنها:
تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق
انهيار أجزاء واسعة من القطاع الصناعي
تعطل سلاسل الإمداد والنقل
انخفاض الصادرات غير البترولية
اتساع الاقتصاد الموازي
تراجع الثقة في الجهاز المصرفي
وفي ظل هذه الظروف يصبح الجنيه السوداني مرآة تعكس حالة الاقتصاد الكلي، وكلما ازداد ضعف الاقتصاد ازدادت الضغوط على العملة الوطنية.
إذا استمر التدهور الحالي، فإن السودان سيواجه سلسلة من التداعيات الخطيرة:
1. انفجار معدلات التضخم
كل انخفاض في قيمة الجنيه ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، مما يؤدي إلى موجات متتالية من ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول الحقيقية واتساع الفقر.
2. انهيار القوة الشرائية
تفقد المرتبات والأجور قيمتها بسرعة، ما يجعل المواطن عاجزاً عن تلبية احتياجاته الأساسية، ويعمّق الأزمة المعيشية ويزيد من الهشاشة الاجتماعية.
3. هروب المدخرات والاستثمارات
عند فقدان الثقة في العملة الوطنية، يتجه الأفراد والمؤسسات إلى الدولار والذهب والعقارات، مما يقلص الاستثمار المنتج ويزيد المضاربات ويضعف الدورة الاقتصادية الحقيقية.
4. تفكك السوق الوطنية
يواجه السودان مخاطر متزايدة تتعلق بتعدد مراكز التداول النقدي والاعتماد على وسائل تبادل بديلة، وهو ما يهدد وحدة السوق ويضعف قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية.
لا تقف آثار انهيار العملة عند الاقتصاد، بل تمتد مباشرة إلى المجال السياسي:
تراجع شرعية الدولة
فشل الدولة في حماية العملة واستقرار الأسعار يؤدي إلى تراجع الثقة في مؤسسات الحكم.
زيادة الاحتقان الاجتماعي
ارتفاع الأسعار وتدهور المعيشة يغذيان التوترات الاجتماعية ويزيدان احتمالات الاضطرابات.
إضعاف فرص السلام
كلما طال أمد الحرب، ارتفعت تكلفة السلام وتعقدت عملية الانتقال نحو الاستقرار.
تآكل مؤسسات الدولة
ضعف الموارد يحد من قدرة الدولة على دفع المرتبات وتقديم الخدمات، مما يضعف البنية الإدارية والسيادية.
و يبقي السؤال هل يقترب السودان من السيناريو الزيمبابوي؟
ان المقارنة مع زيمبابوي لا تعني بالضرورة أن السودان يسلك المسار نفسه أو يصل إلى النتيجة ذاتها. فلكل دولة ظروفها الخاصة، والسودان لا يزال يمتلك موارد حقيقية مهمة، في مقدمتها الذهب، والثروة الزراعية والحيوانية، والموقع الاستراتيجي، إضافة إلى تحويلات المغتربين التي تشكل مصدراً مهماً للنقد الأجنبي.
غير أن هذه الموارد، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار النقدي في ظل استمرار الحرب وتعطيل الإنتاج وتفكك الأسواق واستنزاف الدولة.
فالانهيار النقدي في زيمبابوي لم يبدأ بورقة المائة تريليون دولار زيمبابوي الشهيرة، بل بدأ تدريجياً مع تراجع الإنتاج، واتساع العجز المالي، وفقدان الثقة في السياسات الاقتصادية، ثم تحول إلى تضخم مفرط أفقد العملة وظائفها الأساسية.
وعندما فقد المواطنون الثقة تماماً في الدولار الزيمبابوي، لجأوا إلى الدولار الأميركي والعملات الأجنبية الأخرى، واضطرت الدولة عملياً إلى التخلي عن عملتها الوطنية.
السودان لم يصل إلى هذه المرحلة بعد، لكنه يواجه مؤشرات مقلقة تشمل:
الانخفاض المتسارع لقيمة الجنيه
توسع الاقتصاد الموازي
تزايد الاعتماد على الدولار والذهب
ضعف الإنتاج الحقيقي
استمرار الحرب
تراجع الثقة في المؤسسات الاقتصادية
وفي ظل هذه المؤشرات، فإن استمرار الحرب يعني بقاء الضغوط على سعر الصرف، دون الحاجة إلى الجزم برقم محدد.
فالأسواق لا تتحرك بالأرقام الحالية فقط، بل بتوقعات المستقبل. وعندما تتراجع الثقة في قدرة الاقتصاد على التعافي، يتسارع التحوط بالدولار والذهب، فتدخل العملة في ما يعرف بـ”دوامة فقدان الثقة”، وهي أخطر مراحل الانهيار النقدي.
في ظل المؤشرات الحالية، لا يمكن استبعاد استمرار الضغوط على سعر الصرف إذا استمرت الحرب وتعاظمت الاختلالات الاقتصادية، ليس كحتمية رقمية، بل كاتجاه عام تحكمه عوامل الإنتاج والاستقرار والثقة.
لا توجد حلول سحرية لإنقاذ الجنيه السوداني، لكن هناك مسارات واضحة:
وقف الحرب باعتباره المدخل الأساسي لأي إصلاح
إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي
توحيد المؤسسات والأسواق النقدية
زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي والصادرات
ضبط الإنفاق العام
مكافحة الفساد والمضاربات
حماية الفئات الأكثر هشاشة اجتماعياً
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الجنيه والدولار، بل بين مشروعين: مشروع حرب يستهلك الدولة ويفكك اقتصادها، ومشروع سلام يفتح الطريق نحو إعادة البناء والاستقرار.
فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من التدهور الاقتصادي، ومزيداً من الضغط على العملة، ومزيداً من تعقيد مستقبل التعافي.
وعندها فقط يمكن أن يتحول السؤال من: كم بلغ سعر الدولار اليوم؟ إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للسودان أن يستعيد قدرته على إنتاج اقتصاد وطني مستقر وقادر على البقاء؟

