محمد المكي أحمد –
شهدت العاصمة الفرنسية باريس مساء أمس الخميس حدثا سودانيا فرنسيا باهراً، إذ دشّن الروائي السوداني الفرنسي الدكتور ضياء الدين يوسف، وزوجه الكاتبة الفرنسية ، الأستاذة الجامعية الدكتورة كرستيان يوسف كتابين جديدين .

ضياء قدم في الأمسية روايته الجديدة ” جُرح الأحجار الكريمة” بينما قدمت زوجه كرستيان كتاباً بعنوان ” مملكة ذكرياتي”.
خاطب ضياء “الحُضُورُ الكَرِيمُ، الزُّمَلَاءُ وَالأَصْدِقَاءُ، وَالقُرَّاءُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مِنَ الحِكَايَاتِ حَيَاةً أُخْرَى”وقال “يَسْعَدُنِي وَيُشَرِّفُنِي أَنْ أَلْتَقِيَ بِكُمْ اليَوْمَ ( مساء أمس الخميس)، لَا لِأُقَدِّمَ رِوَايَتِي الخَامِسَةَ فَحَسْبُ، بَلْ لِأُقَدِّمَ جُزْءًا مِنْ رُوحِي تَرَكْتُهُ بَيْنَ صَفَحَاتِ رِوَايَتِي «جُرْحِ الأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ».
رأى أن “الكِتَابَةُ عَلَّمَتْنِي أَنْ أُدَاوِيَ جُرُوحِي بِالحُرُوفِ. وَلَعَلَّكُمْ تَتَسَاءَلُونَ عَنْ هَذَا العُنْوَانِ… لِمَاذَا الأَحْجَارُ الكَرِيمَةُ؟ وَلِمَاذَا الجُرْحُ؟ لِأَنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ الأَشْيَاءَ الأَكْثَرَ قِيمَةً فِي حَيَاتِنَا لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ تِلْكَ الَّتِي مَرَّتْ بِالنَّارِ، وَبِالضَّغْطِ، وَبِالِانْتِظَارِ… ثُمَّ خَرَجَتْ أَكْثَرَ لَمَعَانًا”.
أضاف:” الحَجَرُ الكَرِيمُ لَا يُصْبِحُ كَرِيمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَلَّمْ، بَلْ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الصَّقْلَ. وَالإِنْسَانُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، كَذَلِكَ.، قَدْ نَلْتَقِي بِأَشْخَاصٍ يَبْدُونَ فِي غَايَةِ الكَمَالِ أَمَامَ أَعْيُنِنَا، بَيْنَمَا يَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي دَاخِلِهِ شَرْخًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ”.
قال :”قَدْ نَرَى ابْتِسَامَةً، وَلَا نَعْرِفُ الحِكَايَةَ الَّتِي سَبَقَتْهَا. وَقَدْ نَرَى قُوَّةً، وَلَا نَعْرِفُ كَمْ مَرَّةً انْكَسَرَ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا… وَمِنْ هُنَا بَدَأَتْ حِكَايَتِي… حِكَايَةٌ عَنِ الجَمَالِ حِينَ يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ الأَلَمُ، وَعَنِ الأَسْرَارِ حِينَ تُصْبِحُ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ تُخْفَى، وَعَنِ الحُبِّ حِينَ يَكُونُ خَلَاصًا… أَوْ جُرْحًا، وَعَنِ الإِنْسَانِ حِينَ يَجِدُ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا لِلِاخْتِيَارِ بَيْنَ مَا يُرِيدُهُ قَلْبُهُ، وَمَا تَفْرِضُهُ عَلَيْهِ الحَيَاةُ.
تابع حديثه :”لَمْ أَكْتُبْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِأُخْبِرَكُمْ مَاذَا يَجِبُ أَنْ تَشْعُرُوا… بَلْ كَتَبْتُهَا لِأَتْرُكَ لَكُمْ مَسَاحَةً تَشْعُرُونَ فِيهَا بِأَنْفُسِكُمْ. رُبَّمَا تَجِدُونَ فِي إِحْدَى شَخْصِيَّاتِهَا شَخْصًا مَرَّ فِي حَيَاتِكُمْ، وَرُبَّمَا تَجِدُونَ مَوْقِفًا يُشْبِهُكُمْ. وَرُبَّمَا، وَهَذَا مَا أَتَمَنَّاهُ، تَجِدُونَ بَيْنَ سُطُورِهَا شَيْئًا لَمْ تَكُونُوا تَعْرِفُونَ أَنَّكُمْ تَبْحَثُونَ عَنْهُ”.
قال :”أَيُّهَا الحُضُورُ الجَمِيلُ… رُبَّمَا يَكُونُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ حَجَرُهُ الكَرِيمُ الَّذِي يُخْفِيهِ فِي أَعْمَاقِهِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ لِكُلِّ حَجَرٍ كَرِيمٍ جُرْحُهُ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ. لِذَلِكَ، حِينَ تَقْرَؤُونَ الرِّوَايَةَ، لَا تَسْأَلُوا فَقَطْ: مَاذَا حَدَثَ؟ اسْأَلُوا أَيْضًا: مَنْ كَانَ يَنْزِفُ بِصَمْتٍ؟ وَمَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ الحَجَرَ… بَيْنَمَا كَانَ الحَجَرُ يَمْلِكُ مَصِيرَهُ؟”
بلغته الجميلة، قال للمشاركين في الأمسية :”أَهْلًا بِكُمْ فِي عَالَمِ «جُرْحِ الأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ» فَبَعْضُ الجِرَاحِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا عِنْدَمَا نَقْتَرِبُ مِنْهَا. شُكْرًا لِكُلِّ مَنْ جَاءَ اليَوْمَ، وَلِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِالكَلِمَةِ، وَلِكُلِّ مَنْ مَنَحَ الأَدَبَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ وَقَلْبِهِ”.
في لفتة تقدير، قال :” أَشْكُرُ الأُسْتَاذَ عَلِيَّ المَرْعَبِيَّ وَدَارَ كُلِّ العَرَبِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ عَلَى تَنْظِيمِ هَذِهِ الِاحْتِفَالِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ السَّنَوِيَّةِ”. وأوضح لعشاق الكلمة الخضراء أن ” الرِّوَايَةُ تُطْلَبُ مِنْ دَارِ أَمَازُونَ”.




كرستيان خاطبت الأمسية، واستهلت تقديمها كِتَابِها بقولها إن كتابها “مَمْلَكَةُ ذِكْرَيَاتِي” لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اسْتِعَادَةٍ لِذِكْرَيَاتٍ عَابِرَةٍ، بَلْ شَهَادَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَلَى زَمَنٍ عَاشَتْهُ الدُّكْتُورَةُ كْرِسْتِيَان يُوسُف بَيْنَ فَرَنْسَا وَالْمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، وَعَلَى رِحْلَةٍ ثَقَافِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ تَرَكَتْ فِي وِجْدَانِهَا آثَارًا لَا تَمْحُوهَا السِّنُونَ.
أوضحت الكاتبة أنها تَسْتَعِيدُ مِنْ خِلَالِ هَذَا الكِتَابِ، بِدَايَاتِ تَعَرُّفِهَا إِلَى المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ عَامَ ١٩٨٩، حِينَ بَدَتْ لَهَا بَلَدًا يَكْتَنِفُهُ الكَثِيرُ مِنَ الغُمُوضِ، قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ لَهَا الأَيَّامُ أَبْوَابًا جَدِيدَةً لِلتَّعَرُّفِ إِلَى مُجْتَمَعِهَا وَعَادَاتِهِ وَتَقَالِيدِهِ وَأَعْرَافِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَإِلَى مَكَانَةِ المَرْأَةِ وَدَوْرِهَا فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ”.
قالت :”مِنْ عَامِ ١٩٩٦ إِلَى ١٩٩٩، دَرَّسَتِ اللُّغَةَ الفَرَنْسِيَّةَ وَاللِّسَانِيَّاتِ فِي جَامِعَةِ المَلِكِ سُعُودٍ بِالرِّيَاضِ، فَوَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي قَلْبِ مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ، وَاكْتَشَفَتْ تَدْرِيجِيًّا تَفَاصِيلَ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، وَدِفْءَ اللِّقَاءَاتِ، وَكَرَمَ العَائِلَاتِ، وَالتَّعَايُشَ بَيْنَ الثَّقَافَاتِ”.
أضافت :”مَعَ مُرُورِ السِّنِينَ وَتَكْرَارِ الزِّيَارَاتِ، لَمْ تَبْقَ السُّعُودِيَّةُ فِي الذاكرة مُجَرَّدَ بَلَدٍ أقمت فِيهِ، وَإِنَّمَا تَحَوَّلَتْ إِلَى وَطَنٍ ثَانٍ وَذَاكِرَةٍ حَيَّةٍ.”.
رصدت الكَاتِبَةُ “التَّحَوُّلَاتِ الَّتِ شَهِدَتْهَا المَمْلَكَةُ، وَلَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَوْضَاعِ المَرْأَةِ، وُصُولًا إِلَى التَّغَيُّرَاتِ الَّتِي أَطْلَقَتْهَا رُؤْيَةُ ٢٠٣٠، فَتُقَارِنُ بَيْنَ صُورَةِ المَمْلَكَةِ الَّتِي عَرَفَتْهَا فِي المَاضِي وَصُورَتِهَا المُتَجَدِّدَةِ اليَوْمَ”.
شددت على أن : “مَمْلَكَةَ ذِكْرَيَاتِي” فِي جَوْهَرِهَا كِتَابٌ عَنِ الإِنْسَانِ قَبْلَ المَكَانِ؛ عَنِ اللِّقَاءَاتِ الَّتِي تَصْنَعُ الصَّدَاقَةَ، وَعَنِ الغُرْبَةِ الَّتِي تَتَحَوَّلُ مَعَ الزَّمَنِ إِلَى أُلْفَةٍ، وَعَنِ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ جُزْءًا مِنْ تَكْوِينِ الإِنْسَانِ وَوِجْدَانِهِ”.
قالت :”إِنَّهَا شَهَادَةُ امْرَأَةٍ فَرَنْسِيَّةِ الأَصْلِ، ارْتَبَطَتْ بِالمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ ارْتِبَاطًا وِجْدَانِيًّا عَمِيقًا، وَقَدَّمَتْ مِنْ خِلَالِ ذَاكِرَتِهَا صُورَةً إِنْسَانِيَّةً لِبَلَدٍ تَغَيَّرَ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ ظَلَّ يَحْتَفِظُ فِي قَلْبِهَا بِمَكَانَةٍ خَاصَّةٍ”.
تابعت :”مَمْلَكَةُ ذِكْرَيَاتِي»… كِتَابٌ عَنِ المَاضِي الَّذِي لَا يَغِيبُ، وَعَنِ الأَمْكِنَةِ الَّتِي تُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ ذَوَاتِنَا، وَعَنِ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي تَظَلُّ وَطَنًا حِينَ تَتَبَاعَدُ الأَوْطَانُ”.
أوضحت أن كِتَابُ مَمْلَكَةِ ذِكْرَيَاتِي نُشِرَ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ وَتُرْجِمَ لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَالإِنْجِلِيزِيَّةِ وَيُطْلَبُ مِنْ دَارِ أَمَازُونَ، كما أشارت إلى أنها أَيْضًا مُؤَلِّفَةُ كِتَابِ “المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ نَحْوَ تَطَوُّرٍ” وَنُشِرَ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ.
حرصت في نهاية كلمتها على توجيه “الشُّكْرِ وَالتَّقْدِيرِ لِلْأُسْتَاذِ عَلِيِّ المَرْعَبِيِّ وَدَارِ كُلِّ العَرَبِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ عَلَى التَّشْجِيعِ وَالمُتَابَعَةِ.”
” إطلالة” تهنيء الزوجين المبدعين كرستيان وضياء بتدشين كتابين جديدين، ونُنّوه بعطائهما الأدبي والفكري والإنساني المتمز.
نشير في هذا السياق إلى أن ضياء وكرستيان، يتميزان بدفء المشاعر الإنسانية، وحيوية الدوخل، ما يضفي على نبض إبداعهما سمات متميزة، إذ يركزان في أولوياتها على مخاطية الإنسان بلغة جميلة الحروف، قادرة على البوح الجميل ، إنسانية المضمون، واقعية التحليل، وعالمية الأهداف.
النزعة الإنسانية في إبداعهما تتجاوز حدود الزمان والمكان، وهي عميقة الجذور ، وتُمّيز عطاء ضياء وكرستيان بأنه يتجاوز موانع الجغرافيا، وفطلق رسائل تنوير،في رحلة للاستنارة والإبداع الرصين، الذي يستحق الاهتمام ،والإشادة، وتسليط الضوء.
” إطلالة” نُحيّي إبداع زوجين، بينهما قواسم الشراكة الزوجية، والأدبية، والفكرية، وعمق التفكير، والعطاء الإبداعي المستمر، الذي تعكسه اشراقات في كتب يصدرها ضياء وكرستيان.
رابطان في ” إطلالة” عن ابداع ضياء الدين يوسف وزوجه كرستيان :
الروائي السوداني الفرنسي ضياء الدين يوسف يُدشّن في باريس “فاتنة البحر الميت”
كرستيان وضياء الدين يُقدّمان في باريس ” مملكة ذكرياتي” و” جُرح الأحجار الكريمة”

